التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هاجَر

هاجَر

في أعوامي الأولى في كلية التربية الأساسية أخذت مادة (التربية الخاصة) عند الدكتور هاني القطان. في أوّل محاضرة أراد أن يختبرنا، أن يختبرَ الإبداع الذي عندنا، فرسم على اللوحة قوسًا مفتوحًا لأعلى، وقال: أكملوا هذه الرسمة. وبعد دقائق انتهينا، انقسم الطلبة بدءًا إلى ثلاثة أقسام: قسم بدأ مباشرة باستنباط رسمة من هذا القوس، وقسم ضحك وحاول التملص ولكنه رسم في النهاية، وقسم لم يحاول.

بدأنا عرض رسماتنا، غلب على رسمات الطلبة رسم وجه يضحك، فقال الدكتور: من رسم وجهًا يضحك فهذا ليس عنده إبداع. ثم قدّم آخرون وهم أقلّ رسمات لمئذنة مسجد، وأرجوحة وغير ذلك، فقال: أنتم مبدعون، وهكذا نجد أنكم انقسمتم.. فرفعت يدي وقدمت له رسمتي، كانت مبخرًا! سألني في البداية: كيف؟ فقلت: إذا نظرت إليه من جانبه ستراه مقوّس الأعلى. فقال: بعضكم ليس له إبداع، وبعضكم مُبدع، وزميلكم هذا لديه أصالة!

منذ تلك اللحظة وأنا أنمّي هذه الأصالة، فأحاول الخروج عن الأفكار الأولى التي تطرأ لي حين أكون بصدد عملٍ إبداعيّ، فأسمّي قناتي على اليتيوب: مداك العروس. وأترك تسميتها بمسميات الورق والكتابة وللحبر، كناشة مداد وغير ذلك، ثم أحتاج إنشاء قناة على التليغرام للمختارات الشعرية فأترك تسميتها المختارات وأسميها: المستجاد المستعاد، وهكذا.

فمما أممتُ فيه الأصالة اختيار الاسم الدي أشبّب به، فإن ليلى ولبنى وسلمى وأسماء أسماء جميلة؛ ولكن إذا أوردتها فارقت الأصالة التي وسمني بها الدكتور هاني، فاخترتُ اسمًا غريبًا على الشعر، اسمًا لم يرتبط بالرومانسية، اخترت: هاجَر.

هاجر؟ أهي امرأة حقيقيّة أم نسجُ خيالك؟ هذا السؤالُ يردُني كثيرًا، وأحسبه سؤالًا لا فائدة منه، بل لعله يُفسدُ عليك وعليّ، فإنها إذا كانت حقيقية وأنكرت أكون كذبت، وأفسدت عليك شعور الحقيقية، وكذلك إذا لم أكذب، وإن لم تكن حقيقية وصدقتك القول أكون أفسدت عليك وإذا كذبت جمعت السيئتين كذلك. فهذا سؤال لا فائدة منه ولا عائدة.

ما الذي حدث عندما اعتمدت الاسم في شعري؟ حَسب الناس أنه اسم شاعريّ، فمرّ بي كُثُر يوردونه في أشعارِهم، ولا أدري أهم حسبوه كليلى وسلمى، أم أنهم صادقون ووجدوني مهّدت لهم طريق التصريح؟

وقد ارتبط بي الاسم جدًا، لأني أمضيت سنوات أورده في شعري، فقال أحدهم:

كأني خالدُ الحمدانُ يُلفىٰ

بهاجَرِهِ أخا قلقٍ عميدا


فيصبح والهوى يجني عليهِ

ويُرهقهُ إذا أمسىٰ صَعودا

(ملاحظة: أرى أن يقال: خالدُ الحمدانَ، لأن أل هي آل فيكون حمدان مضافًا إليه علامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف، خالدُ آلِ حمدانَ)

ونُسبت إليّ أبيات لم أقلها، كهذه الأبيات وهي لحذيفة العماري:

أرى هاجَرًا في كلّ شيءٍ تلوحُ لي

ففي كلّ لمحٍ بعدَها أقتَلُ الداءِ


أأقصِدُ شُربَ الماءِ عطشانَ أبتغي

رواءً فيبدو طيفُ هاجَرَ في الماءِ؟

وحذيفة أشبه الشعراء أسلوبًا بي، إلا أنني لا أقول: أقتَلُ الداءِ.

وقد قلّبت الاسمَ كثيرًا وصرّفتُه في كلّ وجهٍ بحسب ما يأمرُ وزنُ البيت، فقلت في هاجر:

ولقد علمتُ بأنّ عمري ضائعٌ

وبحُبّ هاجَرَ لا محالةَ فانِ

وجعلتُه هُجرى فقلت:

قيل لي استبدلْ بهُجْرىٰ غيرَها

‏بئسَ رأي الناس في الحب البَدَلْ

وقلت هُجَيْرة:

أناديها هُجَيرةَ وهي أنأى

من النجم الذي قسمَ السماءَا

وقلت في هاج مرخَّمًا:

يا هاجُ كم حاجةٍ قد بتُّ أكتمُها

عن الذين أصافيهم وكم كَمَدِ

وقلت في هَجْر:

إيّاكِ يا هَجْرُ فؤادي أمّا

لم يلتفتْ مدحًا جنى أو ذَمّا

ما الذي أنصحكم به معشرَ الشعراء؟ أنصحكم أولًا ألا تكتبوا الغزل، ما لكم وله؟ فإن أبيتم، فاختاروا اسمًا، نحو: أسماء، نجلاء. فهذه الأسماء سهلة التصريف: أسماء، أسما، أسمُ، أسمَ، أُسيماء، أسيما، أسيمُ، أسيمَ.

فتستفيد بذلك أنك لا تتعطل في قول بيت على أي بحر، فتقول على البسيط:

رأيتها حين طالَ الليلُ في حُلَلٍ

فقلتُ أسماءُ لكنّ الخيالَ مضى

وتقول على الطويل:

وإن أسَيْمًا حينَ بانت حمولُها

لكالظبي ريعتْ في الكناسِ فرائصُهْ

وتقول على الوافر:

إذا ما جئتَ أسما في صباحٍ

فلا تنظر إليها يا رسولُ

وإما جئتَها والليلُ داجٍ

فمبسمُها لباغيها دليلُ

وتقول على الخفيف:

يا أسمياءُ إن قلبي خَفوقٌ

فاجعليه ما بين كفّيكِ يهدا

وتقول على المنسرح:

والعينُ من حبّها لها نُطَفٌ

تكتب فوق الخدّينِ أسماءُ

وتقول على الرمل:

عادني ذكرُكِ يا أسمُ ضُحى

فكتمتُ الحبّ حتى عن ظِلالي

فالظلالُ واشياتٌ بالذي

بتُّ أخفي من شُرودي واعتلالي

ونقول على الكامل:

ثقُل الهوى بك يا أسيما حقبةً

فهجرتِ فهْوَ كأنه ما كانا

ونقول على السريع:

إنّ أسما حينما جُلِّلَتْ .. بجمالٍ حُجِبَتْ عن عيوني

فاعذلوني في هواها زمانًا .. فإذا أيأستُكم فاتركوني

ونقول على المجتث:

القلبُ عند أُسَيْما .. معلّقُ الآمالِ

فليسَ يسمعُ ماذا .. مقالةُ العُذالِ

ونقول في المتقارب:

رأيتُ لأسماءَ في الليل نورا

كشمس تضيءُ ضياءً كبيرا

سوى أن ما بيننا من دعاءٍ

دعاءُ الفرزدقِ يعني جريرا

ونقول على المديد:

إنما أسماءُ ياقوتة .. أُحصِنَتْ في قعر بحرٍ عميقْ

كلّما مرّت على قلبِهِ .. غادرتْه كالجناح الخفوقْ

ونقول على المقتضب:

أسْمُ إنني رجلٌ .. الكلامُ يُسعدُهُ

أسمعيهِ عن عُرُضٍ .. فالسكوتُ يُجهِدُهُ

وعلى الرجز، وهذا البحر يصلح فيه كلّ الكلام:

ناديتُ والحبُّ بقلبي يسْمو

أسما أُسيماءُ أُسيمُ أسْمُ

وعلى الهزج:

جميلُ الذِكرِ يا أسماءُ في الدنيا لذو حُسْنِ

فعودي للذي يهواكِ عودَ الطيرِ للغُصْنِ

وعلى المضارع، على المضارع؟ سأتركُه لكم، وأصعب شيء تركت، السلام عليكم.

تعليقات

  1. غير معرف17/8/25 3:45 م

    المضارع:
    لأسماء رسم دار
    تراوحته الخطوبُ

    إذا الحيا جاد حيناً
    برسمها فاح طيبُ

    ردحذف
    الردود
    1. جميل، أخذت في ضربه السهل الذي يشبه المجتث (:

      حذف
  2. غير معرف17/8/25 4:42 م

    مقال أصيل

    ردحذف
  3. غير معرف17/8/25 4:57 م

    لاحظت فعلا من زمان اختلاف اسماء قنواتك عن جيرانك وكان هذا يميزك

    ردحذف
  4. غير معرف17/8/25 7:54 م

    جزئية هل هاجر حقيقية او لا ؟ باموك قال في كتاب الروائي الساذج والحساس شي اسمه لعبة المرايا : يعتقد الكاتب أن القارئ سوف يعتقد بأن هذا الحدث هو تجربة حقيقية، والقارئ يعتقد أن الكاتب قد كتب هذا التفصيل لظنه بأن القارئ سوف يعتقد أنها تجارب حقيقية، الكاتب بدوره يعتقد أن القارئ سوف يعتقد بأنه قد كتب هذا الحدث لاعتقاده بأن القارئ سوف يعتقد هذا أيضاً.

    ردحذف
  5. غير معرف18/8/25 12:24 ص

    كيوت!

    ردحذف
  6. غير معرف18/8/25 5:01 ص

    أنا من الَّذِين تأسرهم الاختلافاتُ الجذابة، والإبداعات المتفردة؛ فأنا أعاني صعوبةً من الخروجِ عن المألوف وإطلاقِ العنان للإبداعِ الكامنِ في أعماقِي. بالفعلِ لاحظتُ تميزك باختلافِ اسم ( هاجَر) الشاعري، ولما فيهِ من جمالٍ ومعان، إلى جانب أنني استغربتُ أولَ الأمرِ من أسماءِ قنواتك على منصات التواصل الاجتماعي... ( هاجَر) يالهُ من اسم!
    - J

    ردحذف
  7. غير معرف24/8/26 8:34 م

    انت تنصحنا ما نكتب غزل بس اذا ابي اكتب واخترت اسم وهمي وانا كذاب والله يدري إني كذاب وش اسوي لما اتزوج اخاف تصير لي سمعه وهمية وتسبب لي مشاكل أنا في غنى عنها استغفرالله من زود الجفاف اتخيل المستقبل وشايل هم مشاعر زوجتي الغير موجوده من الحين :) بما انك متزوج وعندك خبرة كيف تعاملت مع الموضوع ؟

    ردحذف
  8. قل أنك كنت تتفنن ولا تعني امرأة معيّنة، إن كنت لا تحب امرأة تريد الزواج منها فالنساء كثر، من لا تريدك لأنها لم تتفهّم فكرة أنك تأتي بشعر لا حقيقة فهذا حقها وفي غيرها بدل.

    ردحذف
    الردود
    1. غير معرف25/8/26 4:50 ص

      الله يجزاك خير ، انا ضد الحب قبل الزواج والحمدلله ومن الحين بتقبل زوجتي حتى لو ماعجبها هذا الشي بتخلى عنه بس وينها هههههه

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة رواية: أوليفر تويست - تشارلز ديكنز

  أوليفر تويست تشارلز ديكنز الصفحات: 576 التقييم: ★ ★ ★ ★ ✩ أول قراءاتي لتشارلز ديكنز، ولا أدري إن كان سيتجاوز نفسَه في رواية أخرى أم لا، ربما يفعل في ديفيد كوبرفيلد. تبدأ الرواية في ذِكر مولد أوليفر تويست، ثم تجمع الروايةُ قبضها وتلكمه وتلكمه حتى تقول في نفسك: هيه! ما هذا المخلوق المسحوق!

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قصة الشعر (4)

    قصة الشعر (4) ما زلتُ أكتبُ كل يوم، كل يوم بيتًا أو بيتين، أو قصيدة أو قصيدتين، كنتُ أكتب الشعرَ أكثر مما أقرأ من الدواوين، وهذا أبطأ تطوّري. وفي المرحلة الثانوية انتشرت أبيات لا معنى لها، تُقال للإبهار، وقد نسيتها الحمد لله، فأردت أن أبهر زملائي أكثر وجعلت أبحث عن قصيدة غريبة، فوقعت اتفاقًا على لامية العرب! وحفظت منها قوله: ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ .. وأرقطُ زُهلول وعرفاءُ جيألُ وهذه من أول الشعر الذي عرفته، ثم أخذت شرح المعلقات من مكتبة والدي، بشرح الزوزني، وفتحت من منتصف الكتاب فوقعت عيني على معلقة طرفة بن العبد، وأعجبني جَرْسُها وقافيتها، فكانت أول معلقة عرفتُها، وزادني حبًا لهذه المعلقة أنني فهمت شرح الزوزني لبيت طرفة: ووجهٍ كأن الشمسَ حلّت رداءَها … عليه نقي اللون لم يتخددِ فهمتُه ولم أجهد في ذلك، ولذا أقول أن شعر الجاهلية هو أوضح شعر، اعرف معاني الألفاظ فقط، ولن تعاني في معاني الأبيات. ولا بدّ لي من ذكر مواقع التواصل، بدأ الأمرُ في الفيسبوك في الأعوام ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢ تقريبًا، كل يوم منشورٌ فيه أبيات وليدة اللحظة، أبيات سيئة بطبيعة الحال، ولكن كل يوم! "وإنما السيل ...