الخميس، 12 مارس 2026

مراجعة مانجا: أسطورة زيلدا: أوكارينا الزمن ج٢

 The Legend of ZELDA

ocarina of time p.2

الصفحات: 189

التقييم: ★★★☆☆ 3/5

يظهر في هذا الجزء شِيك، وهو شخصية غامضة، عميل مزدوج يوجه لينك ويتجسس عليه لصالح غانوندورف.

وفيه يكمل تحرير الحكماء من تحكم غانوندورف.

وتنتهي القصة في هذا الجزء، أعني قصة اللعبة، 

في اللعبة انقسم الخط الزمني إلى ثلاثة أقسام، بُنيت عليه الأجزاء بعده:

١- انتصار لينك، وعودته بالزمن إلى طفولته ليعيش السبع سنوات التي اختصرها بإمساك الماسترسورد وينقسم إلى عالمين، عالم لينك الصغير وهو الذي أكملت فيه المانجا، وعالم خالٍ من لينك، وفي الألعاب هذا العالم صدرت منه لعبة: ويند ويكر.

٢- هزيمة لينك؛ وفيه تضطر زيلدا والحكماء أن يحبسوا غانوندورف، واللعبة التي تندرج تحته هي: لينك تو ذا باست.

أكملت المؤلفتان بإضافة فصلين عن لينك الصغير، ومقابلة لـ سكولكيد، فهذه الفصول رابطة بين أوكارينا أوف تايم وماجوراس ماسك.

 حقيقة؛ المؤلفتان اختارتا النهاية المرضية للقارئ، وليس مألوفًا في الروايات والمانجا أن يكون فيها أكثر من نهاية، ولكن كان بودي لو وضعوا -بطريقة مناسبة- بدل الفصول الإضافية النهاياتِ الثلاث.







السبت، 7 مارس 2026

غباوات القاضي المتلون

 غباوات القاضي المتلون

غباوات الإنسان لا ينتبه إليها، وتراه يضع لنفسه حدودًا وقواعد لم تُختبَر إلا أنه يعاملها معاملة المسلَّم البَدهي، وهذا من قلة إنصافه لنفسه.

وقد يقع هذا من الخلط بين الذوق الشخصي والقاعدة الحياتية، تجعل من ذوقك الشخصي قاعدة وقانونًا على حياة غيرك، وهو يفعل ذلك معك أيضًا، فيختلط الحابل بالنابل..

وكنتُ أقول لنفسي: هل مثل هذه الغباوات هي من حاجة إلى السيطرة أم غفلة لم ينتبه إليها الإنسان؟ أتفهم الأولى؛ لأنها قائمة على نهج معيّن، يكون فيها المرء قاصدًا يعي ما يفعل، يعلم أنه مخطئ، ولكن يستمر في إطفاء شمعات من يخالفه لتبقى شمعته الوحيدة في الظلام العام، ولكن لا أظن الناس يغلب في أخلاقهم هذه السيطرة، فيترجح أنها غفلة، غفلة لا يُعذر فيها الإنسان.

حقيقة التزيي بزي قاضي الوجود، وأن يحكم الإنسان مهما بلغت دقته أو جِلّته على صواب سلوك أو ذوق، وجور سلوك أو ذوق = هو في أعلى مراتب التَوَهان الفكري، لأن هذا الإنسان يرى اليوم خلاف ما كان يراه قبل عشر سنوات فتغيرت نظرته في أمور شتى، وثبتت نظرته لنفسه أنه المكلف بتحديد الصواب بحسب ذوقه وما يفعله. أليس عجيبًا أن يعامل الإنسان لحظته الثقافية الراهنة، أو ما بلغه من ذوق، أن يعامل ذلك على أنه التجربة الكاملة، والخبرة التامة؟ هو لا يعلم أنه يفعل ذلك في كل مرة تتغير فيها نظرته للحياة والذوق.

أما ماضي هذا القاضي المتلوّن فيراه مجرد أخطاء تجاوزها بعد أن صقلته الخبرة، ويرى أخطاء غيره التي ستكون "مواضيهم" يومًا ما، يراها أخطاء تهدد الذوق الإنساني، والعقل البشري، يا لله ما أظلمهم، يجب أن أنقذ النوع، سوف أرميهم عن قوس واحدة لكي يروا أن السيارات الحمراء خير من البيضاء!

يرى هذا القاضي المتلوّن أن قصة تراكم خبراته هي قصة البطل الناجي من وعثاء الآراء والأذواق، أنه مجرى النهر الذي تشكل حتى صار المثال الأعلى السامي، وأن سواه من الناس تماثيل رخام لا تتغير على مر الدهارير، هو الحصن الأخير للعقل والذوق، المدافع الأوحد عنهما.

أما إذا التفت هذا القاضي إلى الثقافة والقراءة، فلا أريد أن أريَك رُعب المشهد، سترى رجلًا يحتقره كل أحد، ويستصغر كل أحد، مادة للسخرية، ينطق بالمصلحات الغريبة ظنًا منه أنه دقيق اللفظ، عميق المعنى، وما هو بذاك، ويهزأ الناس به ولكنه يتعالى على سفاسفهم، ويراهم مجرد قطيع خلف عاداتهم الموروثة، ولو نظر لرأى أن العادة البالية كانت يومًا ما فكرة جديدة، وأن أفكاره الجديدة ستكون يومًا ما عادة بالية.


الاثنين، 16 فبراير 2026

مراجعة مانجا: أسطورة زيلدا: أوكارينا الزمن ج١

The Legend of ZELDA

Ocarina of Time p.1

الجزء الأول من مانجا (أسطورة زيلدا: أوكارينا الزمن) وهي جزءان.

في الأصل هذه لعبة صدرت عام ١٩٩٨ على جهاز نينتيندو٦٤، من تصميم وإخراج شِيغَيرو مِياموتو ومساعديه.

وفي عام ٢٠٠٨ صدرت المانجا برسم أكيرا هِيمَيكاوا، وهو اسم لرسامتين وليس شخصًا واحدًا.

القصة عن طفل يترعرع في غابة الكوكيري، وهم مخلوقات خالدة لا تكبر، ومع كل واحد منهم جنيّة، إلا بطلنا واسمه: لِينك. وفي الغابة شجرة حكيمة تحفظ الغابة وشعب الكوكيري من الآفات والشرور، اسمها: دِيكو، وفي يوم من الأيام يهجم وحش على قلب الشجرة فيضرّها من الداخل، فتبعث الشجرةُ إلى لينك جنيّةً اسمها: نافي، فيأتي لينك مسرعًا ويدخل جوف الشجرة ويقضي على الوحش، فتعطي ديكو:زُمرّدة الكوكيري، وتطلب منه تسليمها للأميرة زِيلدا في قلعة هايرول، وتموت الشجرة.

وهنا تبدأ المغامرة.

المانجا مطابقة لقصة اللعبة، إلا في بعض الاختلافات التي يتطلبها السرد الروائي منها:

ظهور شخصيةٍ لـ لينك، فإنه في اللعبة لا يتكلم، لأنك أنت لينك في اللعبة.

تنين فولكانو في اللعبة هو مجرد وحش سيطر على جبل الغورو، ولكنه في المانجا يظهر أن بينه وبين لينك صداقة قديمة حين كان تنينًا صغيرًا، وهذه لا تؤثر في القصة بل تعطي لينك دافعًا شخصيًا للقضاء على غانوندورف (الشرير) غير دافع انقاذ العالم.

التقييم: ★★★★☆ 4/5

السبت، 24 يناير 2026

مراجعة رواية: شيطنة - بولغاكوف

 مراجعة رواية: شيطنة - بولغاكوف

العنوان: شيطنة

للكاتب الروسي: ميخائيل بولغاكوف

ترجمة: ثائر زين الدين وفريد الشحف

الصفحات: 102 صفحة

التقييم: 1/5 ☆☆☆☆★


أمين سر في مستودع أعواد ثقاب اسمه كورتكوف، يظن هذا الرجل أنه سيبقى على روتين العمل الذي عرفه منذ سنوات، ولكن التغير الذي حدث في روسيا بعد الثورة البلشفية قلب كل شي، فيتفاجأ كورتكوف بأنه ولخطأ إملائي فُصل من الوظيفة. فيعيش حياته يحاول معرفة السبب، وكلما تقدم تعقدت الأمور إلى آخر الرواية.


 ذكرتني الرواية برواية المحاكمة لفرانز كافكا، ولكن مع قصور وضعف شديدين، رواية المحاكمة كانت مُحكمة ولو لم يقتنع بها كافكا، كافكا بارع جدًا.


الرواية عجائبية، ولكن يصل الأمر إلى عدم دقة تصوير المكان والزمان، فتحسب أنك تتصور الأحداث في القبو والسطر التالي يتضح أنهم في السطح، العجائبية وتحول الكائنات، وتداخل الأمور لا شك أنه فن جميل، ولكن أداءها بطريقة عدم تقديم الحدث بأي مقدمة صيّر الرواية غير مفهومة، عموم مقاصدها مفهومة، ولكن تفاصيل وصفها لا معنى له.


قرأت لبولغاكوف قبل هذه رواية مورفين، وكانت رائعة، أما هذه فأشعرتني شعورًا غثًا لم أشعر به إلا عند قراءة المسرحية السخيفة الإسكافية العجيبة لشاعر إسبانيا الأوحد السخيف لوركا.


أعتذر لهذا الانفعال واللغة السوقية.


كتبت على طرة الكتاب عندما انتهيت:

سخيفة، عموم فكرتها مفهوم، لكن العجائبية سخيفة ولا تصور لك ما يحدث، ولأنها عجائبية فأحتاج لوصف أدق فإني لا أستطيع القياس على الواقع، هل هذا بسبب ترجمة ثائر زين الدين وفريد الشحف؟ لا أدري، ولا أريد أن أدري! تبًا لبولغاكوف، ودار الرافدين، وللفتاتين اللتين أخذتا مكاني في المقها.. وللألف المقصورة!


أعتقد أن احتلال مكاني في المقهى كان مساهمًا في سخطي من الرواية.

حاشية: مسألة احتلال مكاني في المقهى ما وجدت لها تفسيرًا، فإني دخلت المقهى ووضعت ما معي على الطاولة لأطلب عند الكاشير، فلما عدت وجدت فتاتين تجلسان وبينهما طاولة عليها كتبي!

فكرت لحظة؛ هل أطلب منهما القيام لأني حجزت هذه الطاولة؟ فشعرت بأن لي حقا في ذلك، نعم، ولكن لم أفعل. اقتربت منهما فوجدت ترتيب الكتب مختلفًا، فهذا يزيد أنهما حركتا الكتابين، اقتربت وقلت: عفوا.. كتبي. ومددت يديّ لآخذها فقالت إحداهما: أوه sorry.. قلت: لا باس.. وذهبت لطاولة أخرى.

لم لم أطالب بحقي؟ ولم لم أغضب لهذا التصرف الغريب؟ لأني لا أطالب بحقوق أكبر من هذا، فأنا معتاد على ترك الأمور تجري كيفما اتفق.

هذا التصرف مصيبة عند أبناء العصر، ولا تعلمون كيف هو عادي جدًا بالنسبة لي، الذي أزعجني هو أن المكان مثالي جدًا للقراءة، وخلفه مصدّ هواء، وكان الهواء شديدًا. وما لثبتا أن قامتا فعدت للمكان.

الثلاثاء، 20 يناير 2026

مراجعة رواية: مانح الأسماء - ليوناردو جاروارو

 مراجعة رواية

مانح الأسماء - ليوناردو جارزارو

رواية: مانح الأسماء

للكاتب البرازيلي: ليوناردو جارزارو 

الصفحات: 99

التقييم: 2/5

دار النشر: العربي للنشر والتوزيع

رواية شِبه عجائبية، عن شيخ في القرية غامض، يأتيه الناس يشتكون من أسمائهم، فيعطيهم أسماء أخرى تليق بحياتهم الحالية، أو تليق بطموحاتهم المستقلية، أو لا يغير شيئًا إذا لم يكن لشكواهم معنى.


في البداية شعرت بخطأ ما، وبت أناجي نفسي: ما الذي دفع هذا الكاتب للكتابة بهذا الشكل المقطوع؟ أشعر أن ثمّ شيئًا ناقصًا.


فبحثت عن الرواية، باسم مانح الأسماء، فلم أجد غير إصدار دار العربي فترجمتها للبرتغالية فلم أجدها كذلك، ففتحت الصفحة الأولى، عادةً ما يُكتب عنوان الرواية بلغته الأصلية، فوجدته:


O GUARDIÃO DE NOMES


وهنا بدأت مغامرة من مغامراتي في المقارنات بين الترجمة والنسخة الأصلية، وكانت مليئة بخيبات الأمل!


أولًا: عنوان الرواية: حارس الأسماء وليس مانح.

ثانيًا: وجدت الرواية في أمازون بحجم يزيد على أربعمئة صفحة! فلماذا التي في يدي لا تتجاوز تسعةً وتسعين؟ هذا غريب، فوجدت في الصفحة الأولى هذه العبارة:


"هذا الكتاب هو مجموعة مقتطفات مختارة من رواية مانح الأسماء وقد نُشرت بهذا الشكل بالاتفاق مع المؤلف."


تمام، اتفقتم مع المؤلف على هذا، وهو أمر مقبول لو كانت مجموعةً قصصية كما يظهر لمن يقرأ الترجمة العربية، فهي عبارة عن سبع قصص لا يربط بينها إلا فكرة وجود رجل يتعامل مع أسماء الناس، وقصصهم الجانبية، ولكن الأمر الذي لا يُقبل، أنها رواية متكاملة الأركان، فما الذي حُذف من الرواية حتى صارت مجموعة قصصيةً مبتورةً هكذا؟


قرأت مقالات تلخصها وتحللها فوجدت ما يلي:


يقرر البارون ألفاريس كوريا أن يسمي كل شيء تحت ملكه، يقف بنفسه ويسميه من المواليد الجدد إلى أقلّ نعجة، ويقرر تسمية أبناءه طبعًا، وعند الابن السابع يختلف مع امرأته فيقرر ألا يسميه، ويكبرهذا الطفل ويصبح حارس الأسماء الذي نجده في غرفة مليئة بالكتب يدخل عليه الناس ويغير أسماءهم، فهو يمنحهم ما لم يحظ به قط.


والذي فهمته أنها أصبحت بعد ذلك عادةً، في كل جيل من عائلة البارون ألفاريس كوريا يخرج حارس أسماء، وأن الموجود في الرواية هو من الجيل الثالث، والنهاية تكون برجوع هذا الرجل لنفسه وتفكره أنه لا يملك اسمًا ولا هوية في مجتمع فيه كل شيء.


كل هذا فقدناه في الترجمة العربية، وأوردت ما لا قيمة له من قصص جانبية في عمل حارس الأسماء وهو يغير أسماء الناس، وليست كل القصص كذلك!


اقتباسات:

«فكّر في استحالة أن تكون الحياة مثاليةً، فكلّ رجلٍ يحتاج شيئًا يشكو منه، لذا كان عليه أن يتحمّل نباحَ كلبِ الجار في الفجر.»

ص8

«يا إلهي! ماذا يُخفي هذا الرجل؟ تمنّت أن يكون شيئًا يستحقّ المغفرة، فقد أرادت مسامحته، رغم أنّها كانت مستعدّةً لخنقِه.»

ص25

مراجعة رواية: السرو الحزين - أغاثا كريستي

مراجعة رواية

السرو الحزين لـ أغاثا كريستي



رواية متكاملة، جيدة، لا خطأ فيها، ليست معقدة، واضحة الملامح، تجتمع أحداثها في متناول قريب من الذهن فما تنفصل عنها وتشعر أن ثَم شيء فاتك.


هيركول بوارو في هذه الرواية لا يبحث عن القاتل فقط، بل يبحث عن القاتل ليبرّى متّهمًا كل الأدلة والأحداث تصب ضده.


تبدأ القصة في المحكمة في الجلسات الأخيرة لمحاكمة إلينور كارليسل في قتل ماري جيرارد، ثم يعود الزمن إلى بداية أحداث جريمة القتل هذه، إلى حدوث الجريمة، ثم تجري أحداث تحقيق بوراو حتى نصل إلى لحظة المحكمة التي بدأنا بها الرواية.


أنصح بالرواية لكل أحد، نصفها دراما ونصفها تحقيق، فهي متوازنة كما قلت لكم.


التقييم: 3/5 ★★★☆☆

-

«إن الحبّ مسألةٌ يائسةٌ معذِّبة، يمكن أن يجعل النكرةَ إنسانًا رائعًا، ويُمكن أن يهوي بالشريف إلى الحضيض!» ص١٣٩


«.. ولكنّ الرجال جميعهم سواء؛ يسهل وقوعُهم بمعسول الكلام والوجوهِ الجميلة!»ص١٦٢


«هكذا هي الحياة؛ إنها لا تسمحُ لك بأن تُخطط وتُرتّبَ وتأمرها كما تشاء، لا تسمح لك بأن تتجنّب العواطف وأن تعيش بعقلك وذهنك فقط، لا يمكنك القول: سأشعر بهذا القدر لا أكثر. إن الحياة يا سيد ويلمان، كائنةً ما كانت صفاتُها الأخرى، ليست عقلانية.»ص١٨٠


«إن التفكير بالقتل لا يؤذي أحدًا حقًا، إن للناس أفكارًا سخيفة حول هذا الأمر، فهم يظنون أن التفكير بالقتل يُعادل التخطيط للقتل! وهو ليس كذلك. إذا ما فكرت بالقتل لفترة طويلة فإنك تتخلصين فجأة من سواد قلبك وتشعرين أن الأمر كله سخيف.» ص٢٨٩


(تحليل - حرق 🚫)


ألينور في المحكمة كادت تقول إنها مذنبة لقوة شعورها بالذنب لأنها فكرت بقتلها فقُتلت، وكادت تصدق أنها فعلا مذنبة لأن كل الدلائل تشير إليها.


أما رودريك ويلمان فقُدم في البداية أنه شخص حازم عملي، ثم ظهر ضعف شخصية وأن الكاريزما التي يظهرها لم تكن إلا فطرة وقشور لا حقيقة فيها.


أما دافع القاتلة فهو مقبول حين ظهرت حقيقة كونها تسعى للمال بقتل زوجها والعجوز التي كانت تقوم برعايتها في نيوزلندا، فنعم قد تخطط هذا التخطيط الدقيق البارد الطويل.


أما بيتر لورد فهذا الطبيب أكثر شخصية لامست عواطفي، فحبه الصادق الصامت لإلينور هو الذي حركه لحث هيركول بوارو على تبرأتها بأي شكل، ومشهد مراقبته لها بصمت من الأشجار وهي تصنع الفطائر، مشهد مؤثر جدًا بالنسبة لي.

الأحد، 19 أكتوبر 2025

قاعدة في فهم الشعر

 قاعدة في فهم الشعر

في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه.

لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه.

وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم.

وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم.

فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير:

فغض الطرف إنك من نُمير

فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا

فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن هذا البيت. ودلّني ذلك إلى المغالبة في الهجاء، فهي أن يقول الشاعر بيتًا فخرًا أو هجاءً فينقضه عليه خصمه، فإذا لم يستطع نقض الهجاء غُلِب. ورأيت أن الفرزدق وجرير ما زالا يتعاركان ولا يهتدي أحدهما إلى الإحاطة بصاحبه حتى يغلبه. فكان هذا الفهم الذي هداني إليه ربي فاتحةً لفهم كثير من الشعر.

فمما أخبروا أن ليلى الأخيلية غلبت النابغة الجعدي، استنكرت ذلك وأكبرته، ولكن سلّمت به، وعرفت العلة بعد ذلك حين فهمت تغليب جرير، فقد فعلت ليلى مثل ما فعله جرير، ولكن ردها كان نقضًا لقول النابغة:

ألا حييا ليلى وقولا لها هلا

فقد ركبت أيرًا أغرّ مُحجّلا

هلا كلمة تُهدّأ بها الفَرَس عند الضراب، فقالت ليلى:

تُعيّرني داءً بأمك مثله؟

وأي حَصان لا يُقال لها هلا؟

فكان ردّها أن الحصان غير المعتادة ستكون خائفة فسيُحاول أهلها تهدِأتَها، فجعلت النابغة بين نارين، إما أن يقول أن أمه لا يُقال لها هلا وهذا معناه أنها ليست بحصان، أو يُقرّ بذلك فيعود قوله الأول على أمه كما هو على ليلى! فسكت عن الثنتين كما سكت الراعي، فغلبته ليلى.

مَظهَر أخير من توقير كلام السلف وعدم معارضتهم؛ أني قرأت خبرًا أن الأصمعي قرأ شعر الحطيئة على أبي عمرو، فبلغ قوله:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

أي خدعتني وزعمت أنك صاحب لبن وتمر، فصحّف الأصمعي فقرأها:

وغررتني وزعمتَ أنك

لا تَني بالضيفِ تامُر

أي خدعتني وزعمت أنك لا تفتر عن الأمر بإكرام الضيف. وتصحيف الأصمعي منطقي، لأن رسم (لابن) كرسم (لاتن) فقال أبو عمرو: تصحيفك أحسن من بيت الحطيئة. فاستنكرت أن يكون تصحيف للأصمعي أشرفَ من بيت للحطيئة، وبعد وقت قرأت قصيدة الحطيئة، ووجدت أن البيت لوحده هكذا سيكون نعم تصحيف الأصمعي أشرف وأحسن من بيت الحطيئة، لأن فيه شكوى، ولكن البيت مع ما بعده أفضل وأحسن وأعلى،  ويحول المعنى من الشكوى إلى الاستهزاء ، قال الحطيئة:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

ولقد صدقتَ فهل خشيتَ

بأن تدور بك الدوائر

فكذّبه أولًا، ثم صدّقه وقرن تصديقه بوصفه بالبخل، وحاصره، فصدق الإمام أبو عمرو وأحسن الأصمعي وأحسن الحطيئة.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

تِتْرِس Tetris

تِتْرِس Tetris

لو سئلتُ سؤالًا غير السؤال المعتاد: "من أفضل شاعر عندك؟" وقيل لي: "ما أفضل لعبة فيديو عندك؟" لكانت إجابتي أكثر طرافة: Tetris.

لا يمكن أن تجد إنسانًا لم يلعب تيترس، هذه اللعبة موجودة على كل جهاز يعمل بالبرامج؛ الحواسيب وأجهزة ألعاب الفيديو، والهواتف، وشاشات التلفاز، وتستطيع وضعها حتى في الميكرويف!

قصة تطوير اللعبة بدأت حين كان مهندس برمجة يريدُ اختبار شيء في حاسوبه، حدث ذلك عام ١٩٨٥م في الاتحاد السوفييتي، والمهندس هو ألكسي باجيتنوف.

جلس ألكسي أمام حاسوبه (إلكترونيكا ٦٠) وحاول اختبار شيء فيه، وكان قبلها اشترى لعبة بينتومينو، وهي لعبة فيها قطع ملونة، ترتبها في محيط معين، على شكل مطلوب منك. فقال: لم لا أطور لعبة تختبر الحاسوب بفكرة أبسّطُها من البينتومينو. فقلل أشكالها من ١٨ شكلًا إلى سبعة، وكل شكل عبارة عن ٤ مربعات متلصقة، مقلّبة بكل شكل ممكن، ولأن مادّتها من أربع مربعات صار اسم اللعبة «تيترا» وهي كلمة يونيانية تعني أربعة، ورياضة: التنس! ما علاقتها بالتنس؟ لأن باجيتنوف كان يحب هذه الرياضة، فصار اسم اللعبة: تيترس Tetris.

اللعبة فيها سبعة أشكال سأصفها لك باعتبار أنك لا تعرفها، وأنك تقرأ المقالة في جزيرة معزولة في المحيط الهادي ولا تستطيع البحث عن صورة لها:

الشكل الأول: أربعة مربعات متراكبة، فتنشئ عصًا. ولونه سماويّ.

الشكل الثاني: تأخذ مربعًا وتجعله يمين المربع الثاني، فيكون شبه منجَل. ولونه أزرق.

الشكل الثالث: كالثاني ولكنّه إلى اليسار. ولونه برتقالي.

الشكل الرابع: مربعات منضمّة، فتشكّل مربعًا متوازيًا. ولونه أصفر.

الشكل الخامس: تقسم الشكل الأول في المنتصف، فيتحصّل عندك مربعين مربعين، فتلصقهما بمقدار مربع واحد يمينًا، شبه شكل برق أو حرف z. ولونه أخضر.

الشكل السادس: عكس الخامس. ولونه أحمر.

الشكل السابع: وهو أيقونة اللعبة، والشكل الذي يحل أزمات الترتيب، ثلاث مربعات، يعلو مربعها الأوسط مربعٌ. ولونه بنفسجي.

هذه الأشكال السبعة تَساقطُ متواترةً بعشوائية في مستطيل وعلى اللاعب أن يرتّبها، وينشئ من مربعاتها خطوطًا أفقية، كلّ خطّ يُكسبك نقاطًا، ولديك خيارين: تدويرها، وحفظها.

التدوير: يحصُل لك به أواع تساعدك على ترتيب الأشكال.

والحفظ: يجعلك تحتفظ بالمهم، أو تستبدل عوضَها شكلًا جديدًا، ثم تعود للذي حفظته في وقت آخر، والحفظ تستعمله مرة واحد عندما يسقط شكل، مثلًا؛ سقط الشكل الاول، حفظته، سقط بعده الرابع، لا تستطيع حفظه الان، يجب أن تضعه، ثم سقط الشكل الثاني، الان تستطيع استبداله بالمحفوظ، وتستطيع لعبه، فكتى احتجت للمحفوظ تلعبه، وهكذا.

تحصيل النقاط كما قلنا بترتيب الأشكال بحيث يكون خطٌّ أفق، فإذا استطعت تكوين خطّين بضربة واحدة فجائزتك أكبر، وثلاث خطوط أكبر، والجائزة الكبرى تكون بأربعة خطوط ضربةً واحدة، وهذه يسمونها «تيترس»، ولا تكون إلا بأن ترتب الأشكال وتترك مقدار مربّع فراغًا، وتبني الخط الثاني وتترك له نفس الفراغ، والثالث والرابع، فبذلك يصلح أن تدخل فيه العصا فتكون أربعة خطوط دفعةً واحدة.

وكان باجيتنوف يشعر بشعور مريح عند لعب اللعبة التي أنشأها، وبالأخص حين يصيب التيترس، وهو شعور رائع جدًا فعلًا!

اللعبة ثاني أكبر الألعاب مبيعًا في التاريخ، وليس فوقها إلا ماريو بسلاسله الكثيرة، أما تيترس فلا تصلح بغير هذه القوانين وهذه الأعداد من الأشكال والمربعات، وهي تتكرر منذ أربعين عامًا، مع ذلك هي ثاني أعلى لعبة مبيعًا.

***

أدمنتُها فترةً من عمري، وكنت أبدأ بها يومي، هي كأنها تمارين استطالة للمخ، تنشّطه، وتطوّر كفاءته في اتخاذ القرار السريع المناسب، وتطور تخيله لمآل الاختيار، وتطوّر حس الترتيب عند المرء.

وهذه الأمور العامة تنعكس على الحياة، فمثلًا لو أدمنت اللعبة ثم كُلفت بترتيب مائدة ستجد نفسك سريع الترتيب مع توازن ودقة في توزيع الأطباق، هذا تأثير مباشر.

كنت أظن التأثير تأثيرًا عارضًا، فسمعت أنهم درسوه أكاديميًا فوجدوا لها تحسينًا لما سمّوه: الإدراك المكاني.

بحثت عن هذا الإدراك فوجدته قائمة على قوة الخيال، فتستطيع أن تعرف الاتجاهات، وتتخيل شكل ترتيب غرفة من غير تحريك شيء فعليًا، كله يحدث في ذهنك. وله مستوى أعلى يكون إدراك الذهن في فضاء، أي إدراك ثُلاثي الأبعاد. إدراك الشمال والشرق والغرب والجنوب، وإدراك الفوق والتحت، وإدراك ما بين هذه، فوق شمال شرقي، تحت جنوب غربي، وهكذا.

ويبدو لي هذا الإدراك متجليًا فيمن يعرف القبلة من غير أن يُدَلّ عليها، أو من يركن سيارته وينزل للسوق، فمهما التفّ وصعد ونزل، يعرف جهة سيّارته، هذه أمور تقوّيها في الذهن.

ومما يعني على تعطيل الإدراك كثرة استعمال البوصلات، وبرامج الخرائط، حتى يُصبح المرء ولا يستطيع العودة إلى بيته من غير برنامج الخرائط.

**

لعبة تيترس Tetris أجمل لعبة لعبتها، ولها إصدرات بعدد نجوم السماء، ولكنّها إصدارات شكلية، لا تغير في قوانين اللعبة، لأنك إذا غيرت فيها تغييرًا مهما كان صغيرًا سيفسدها، فهي قائمة على منطق رياضيّ لا يختلّ بالتغيير.

الخميس، 18 سبتمبر 2025

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال

كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل).

عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-:

لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا

إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان:

لعمري لئن كانت بجيلةُ زانَها

جريرٌ لقد أخزى كُليبًا جريرُها

يعني الصحابي جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه كان زينةً لقبيلته بجيلة، وجرير الشاعر خزاةً لكليب بن يربوع، ظن غسان أنه أغلق المعنى على جرير، فجعله بمواجهة مع الصحابي الجليل، ولكنه أخطأ إذ لم يجعلها مقارنةً صريحةً، وجرير العبقري لا يخضع تحت ضغط هذه المغالطة، فقد ردّ على شأنه، ولم يتعرض للصحابي الكريم، بل نصب سليطًا، وجعلها تدافع عن نفسها كما تدافع الخِربان، وكأنه يعني هنا غسانًا نفسَه هو آلة دفاعها، فقال جرير ينقض البيت:

بأستاهها ترمي سليطٌ وتَتّقي

ويرمي نضالًا عن كُليب جريرُها

واستمرّا هكذا حتى صار جرير يفتل ويهجو، ولا يستطيع غسان أن يُجيبه، وخبت جمرة غسان السليطي، ونُسي.

وصارَ جريرٌ وبالًا على الشعراء طوال حياته، لا يهاجيه أحد إلا سحقَه سحقًا، إلا ثلاثة ما غلبهم ولا غلبوه: الفرزدق، والأخطل، وعُمَر بن لجأ، أما الأولان فهما فحول يوازونه في الجودة، وأما عُمَر بن لجأ فهذا الذي وَضعَ الله به رفعة جرير، وقد قال النبي ﷺ حين سُبقت ناقته فشقّ ذلك على أصحابه: (حقّ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعَه) فكان عُمَر بن لجأ وهو شاعر مغمور، دخل في هجاء جرير، وما استطاع جرير أن يغلبه، وسُئل جرير عن هذا فقال: لم أجد مجدًا فأهدمَه! كان ذلك من حظّ عمر بن لجأ أن رهطَه كانوا قرويين لم يخوضوا حروبًا، فلم يجد جرير في تاريخهم شيئًا يعيّرهم به، أما عمر بن لجأ فكان يسرح ويمرح في تاريخ كليب بن يربوع، فهو تاريخ عريق من البطولات والحروب، وكلّ قبيلة تدخل في حروب فلا بدّ لها من هزائم وانتصارات، والهزائم أكبر أبواب الهجاء، قتلنا فلانًا ولم تفعلوا شيئًا، وقتل في جواركم فلان ولم تفعلوا شيئًا، لولا عزهم ما استجار بهم أحد، ولكن لا بد من هذه الأخطاء التي يستغلها المتهاجون.

وجرير لم يكن  يستطيع أن يسحق تميميًا، لأنه تميمي، ولكن إذا كان ضعيفًا فيخنقه، كما حدث مع غسان السليطي والبعيث، لم يدمّرهم بهجاء القبائل والتعيير بالأيام، بل دمّرهم لأنهم لم يستطيعوا مجاراته، وهجاء قوم من قبيلتك من أصعب أبواب الهجاء، ولولا أن الله أيّد حسان بن ثابت بجبريل عليه السلام ما استطاع أن يهجوَ قريشًا ويتجنّب ذكر كل ما يتصل بالنبي ﷺ من فروع وأصول، هذه تحتاج أن تكون فحلًا كحسّان، ويؤازرك علامة في النسب كأبي بكر ويؤيدك روح القدُس!

من أمتَع أبواب الشعر بابُ النقائض، فالإمتاعُ في قراءة قصيدتين متعلقتي المعاني ببعضهما بعضًا إمتاعٌ قلّ نظيره. والنقائض كاسمها قائمةٌ على النقضِ وهو ضدّ الإبرام والفَتْل، فيقول جريرٌ قصيدةً يفتل فيها معانيَ الهجاء والفخر، فيقوم الفرزدق ويقول قصيدةً تنقضُ هذه المعاني، وتنتهي المعركة هكذا بالتعادل، وقد عاش جرير والفرزدق حياتهما كلٌّ ينقض على الآخر، وما استطاع أحدُهما أن يأتيَ بمعنى لم يستطع صاحبُه أن ينقضَه، ولو حدث ذلك لغُلّبَ أحدهما على الآخر ولكن ذلك لم يحدث حتى مات الفرزدق قبل جرير ورثاه جرير.

أما الذين غلبهم جرير فكثير، منهم غسّان السليطي، وسراقة البارقي، والبعيث، والعباس بن يزيد الكندي، هذا الأخير دخل في هجاء جرير في أسوأ وقت تعادي فيه جريرًا، وذلك حين هجا الراعي النميري، والكندي هذا ليس له ناقة ولا جمل، ولكنه لم يكن موفقًا، فجاء ونقض بيتت جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميم

حسبت الناس كلهم غضابا

فجاءت كندة تطلب من جرير ألا يذكرهم، فقال لهم: إن كنتم صادقين فاذكروا لي مثالبه. ذلك ليهجوَه ولا يتعرّض لكندة، ففعلوا ذلك، فهجاه هجاءً شديدًا على نفس قافيته البائية، وكان يسمي قافية الباء: المنصورة. وفي الأبيات ذكر فضيحةً تطعن في نسب العباس بن يزيد، لا يعلمها إلا هو ورهطه، فلما بلغته الأبيات مات من الكَمَد!

ومنهم وهو أشهر من سحقهم ومحقهم وأشعرهم؛ راعي الإبل النميري، وكان شاعرًا فحلًا، وهو رابع أربعة في الطبقة الأولى عند ابن سلّام: جرير، والفرزدق، والأخطل، والراعي.

الراعي النميري ليس ضعيفًا، ولكنّ جريرًا أتاه ببيتٍ واحد في قصيدة قِوامُها ثمانون بيتًا، كلّها يسيرة على الراعي، ولكن بيتًا واحدًا لم يستطع الراعي نقضه، فغُلِب، وانهار صرحُ شاعر مُضَر، وصارت بنو نُمير تُعيّر به، وهو قوله المشهور:

فغُضَّ الطرفَ إنك من نُمَيرٍ

فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا

يا لهذا البيت! ويا لجرير ما أخبثَ شيطانَه! كيف أتى به محكّكًا هكذا!

الشرّ الكامن في هذا البيت أنّه مدّ إليه طَبَقين أحلاهما مُرٌّ مَقِرّ: إما أن تتعالى على أبناء عمومتكم كلب وكعب، وفي ذلك فساد عظيم، فكما قلنا إن الراعي النميري كان شاعر مضر غير منازع، وأن يفخر بقومه على أبناء عمومتهم فهذا سيشعل فتيل فتنةٍ لا يِطفؤها شيء، وجرير لغضبه وحضور الشيطان لم يكن لديه أدنى إشكال في أن يُشعل فتنةً وحربًا بين هذه الأحياء الثلاثة! وإما أن يسكت ويُنهي حياتَه الشعرية بيده، ويغلبه جرير شرّ غِلبة، وهذا ما فعله الشيخُ الحكيم، ومات غمًا بعدها في ذات السنة!

لم يكن جريرٌ ظالمًا ابتداءً، وكان يعذر ويُحذّر، فإذا صالَ لم يُبقِ ولم يذر. كان جالسًا يُملي على راويته وعوعةُ بن سَعيد ولقبه مَرْبع، فمرّت جنازة فسكت جرير، ورفع مربَع نظره إلى جرير ينتظره أن يُكمل، فلم يكمل حتى مضت، فقال: يا مربع؛ شيّبتني هذه الجنائز. فقال مربع: فما لك تُشاتم الناس؟ فقال: يبدَؤونني ثم لا أعفو.

ومن الحكايات غير المشتهرة؛ أن الفرزدق تزوّج النوار ابنةَ عمّه بالحيلة، وهربت منه ولجأت إلى ابن الزبير -رضي الله عنه- وحاولت أن تخلع نفسَها منه فلم تستطع، جلست معه على مضض حتى طلقها وقال بيته المشهور:

ندمت ندامةَ الكسعي لما

غدت مني مطلّقةً نَوار

ومعنى اسم نَوار جميل، ونغمه جميل، وليته ينتشر بيننا؛ النَوار هي النافرة من الريبة.

ولكي ييغيظها تزوج عليها امرأة من بني شيبان نصرانية اسمها حدراء، وأصدقها مئة ناقة! وهذا كثير على نصرانية، وهذا الصداق أكثر مما أعطى النوار! فضاقت النوار بالفرزدق ذرعًا، وقالت له: كيف تصدق نصرانية مِائة ناقة! فهجاها الفرزدق في أبيات ومدح حدراء، فأتت جريرًا، وقالت له: ألا ترى ما يقول الفاسق؟ فقال لها: أنا أكفيكِه. فقال فيه قصيدة ليست من مُخزياته ولكنّه تلاعب فيها بالفرزدق، وهجا حدراء بنت زِيق وأباها، وحذرهم من تزويجهم الفرزدق، ولكن نقضها الفرزدق بسهولة، وقال الفرزدق في موضوع زواجه من أشراف العرب:

ولو تُنكحُ الشمسُ النجومَ بناتِها

إذن لنكحناهنّ قبلَ الكواكبِ!

فقال جرير:

ذكرتَ بنات الشمسِ والشمسُ لم تلدْ

وأَيْهاتَ من حوقِ الحمار الكواكبُ

وهنا ملاحظة؛ جرير هو الذي فتل، والفرزدق نقض، ولكن هذا البيت لجرير هو نقض لبيت الفرزدق، وهذا كثير في النقائض، ويبدو -والله أعلم- أن الشعراء تزيد في قصائدها نقض بعض الأبيات بعد سماع قصيدة الخصم.

وفي هذه المشاجرة كان الفرزدق يقول: إنك تحسدني لأنك لا تستطيع الخطبة إلى بني شيبان، فلن يقبلوا بك. فيقول:

وإني لأخشى إن خطبتَ إليهمُ

عليك الذي لاقى يَسارُ الكواعبِ

يسار هذا كان عبدًا لامرأة اسمها مَنْشَم، ومَنْشَم كانت مشهورةً بجمع العطور من أقطار الأرض وبيعها، وهي المقصودة في قولهم: دُقّ بيننا عطر منشم. لأنهم كانوا يشترون الكافور منها لموتاهم، فصاروا يكنون عن عطر منشم بالشر والحرب التي ستُخلّف قتلى. فراودَها يسار عبدُها عن نفسها، فقالت له: لا بأس، ولكن أريد أن أُشِمّكَ طيبًا وصلني من الجزائر. فأخرجت الطيب وقَرّبته من أنفه، فلما اقترب أخرجت شَفرةً وجدعت أنفه! فيقول الفرزدق: إني أخشى عليك إذا خطبت إلى زِيق الشيبانيّ أن يجدعوا أنفك، لأنك بذلك تتطاول على أسيادك.

ويبدو أن الفرزدق أعجبه البيت، وأن جريرًا غاظه المعنى، فقد قال جرير أبياتًا، فاكتفى الفرزدق ببيت واحد أعاد فيه المعنى فقال:

إن كان أنفُكَ قد أعياكَ محملُهُ

فاركبْ أتانَك ثمّ اخطُبْ إلى زِيقِ

الثلاثاء، 9 سبتمبر 2025

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا

سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط.

نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين:

وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما

ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا

منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا

وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا

قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا.

تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورًا كثيرة وكان يقدّره: إن أخاك أراد أن المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام إلى غير المعنى في الظاهر لتستر معناه، وتوري عنه وتفهمه من أرادت بالتعريض، كما قَالَ اللَّه تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، ولم ترد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد! لا أدري ماذا فعلت هند بعد هذا النقاش، ولم تكن نهايتهما سعيدة، فقد أرغمته في النهاية على تطليقها، وقالت في الحجاج:

وما هند إلا مهرة عربيةٌ

سليلةُ أفراسٍ تجلّلها بغلُ

فإن نُتِجَت مُهرًا كريمًا فبالحرى

وإن يكُ إقرافٌ فما أنجبَ الفحلُ

أي إذا كان ولدُها حصانًا نجيبًا فهذا منها، وإذا ولدت مقرفًا ليس أصيلًا (المقرف الذي أمه عربية وأبوه ليس كذلك) فهذا بسبب زوجها. فحين سمعها أرسلَ إليها ابنَ القِرّيّة ومعه متعتها مئة ألف درهم، وقال له: طلّقها بكلمتين ولا تزد! فدخل عليها ابن القرية فقال: كُنتِ فبِنْتِ. فقالت هند وقد فرحت أشد الفرح: يا ابن القريّة؛ ما سُررت إذ كان، ولا جزعتُ إذ بان، وهذا المال بشارةٌ لك لما جئتنا به. فاغتاظ من قولها الحجاج غيظًا شديدًا.

نعود للفظة (اللحن) وعندنا فريقين: فريق هند وفريق الحجاج، فسّرها الجاحظ كما فسرتها هند، أنه الخطأ، وأنه يُستملح أن تتكلم الجاريةُ بكلام فيه أخطاء، وألا تُقيم الفصاحة، كما استملح اللثغة في الجواري أيضًا، وعدّ ذلك من الغنج وذكرَ ذلك في كتابه البيان والتبين.

وفي يومٍ من الأيام اجتمع الجاحظ ويحيى بن علي بن المنجّم، فقال يحيى: إني قرأت في فصل من كتابك المسمى كتاب البيان والتبيين: إن مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام، واستشهدت ببيتي مالك بْن أسماء. قال الجاحظ: وهو كذلك. ثم أخبر يحيى الجاحظَ بخبر هند والحجاج، فانصدمَ الجاحظ، ووجم وسكت يفكر، ثم رفع رأسه وقال: لو سقط إلي (لو وصلني) هذا الخبر لما قلت ما تقدم. فقال يحيى: فأصلحه! قال الجاحظ: أفعل، ولكن كيف بما سارت به الركبان؟

واللّحَن بمعنى الفطنة والكلام بالإشارة قال به العلماء، فقد رواه أبو علي القالي بإسناده عن ابن الأعرابي، ورواه بإسناده عن عيسى بن عمر، في خبر عن معاوية رضي الله عنه أنه سأل عن زياد فقال: كيف هو فيكم؟ قالوا: ظريفٌ على أنه يلحن. قال: ذلك أظرف له. ذهب رضي الله عنه إلى معنى الفطنة، وهم كانوا يقصدون أنه يخطي في كلامه.

وقال الليث: تأويلُه وخير الحديث من مثل هذه الجارية ما كان يعرفه كلّ أحد، إنما يُعرَف أمرها في أنحاء قولها.

أزيدكم متعةً إن كنتم مستمتعين؟ سأفتح لسان العرب وأقرأ معكم وأعلق:

قال: "اللحْن، من الأصواتِ المصوغة الموضوعة، وجمعه ألحان ولُحون، ولحّن في قراءته إذا غرّد وطرّب فيها بألحان … وهو ألحنُ الناسِ إذا كان أحسنهم قراءةً أو غناءً." بدأ ابن منظور حديثه عن اللحن من الأساس، وهو تعلقه بالصوت، ثم ذكر أنه من الغناء كما نسميه. ثم قال: "واللُّحَنة: الذي يُلحِّنُ الناس" أي يخطّئهم، وما أكثرهم، وما أبرّئ نفسي "واللُّحْنة: الذي يُلحَّن" وهم الآخَرون الذين نخنقهم بالتصحيح والتخطئة.

قال: "وقول الطرمّاح:

وأدّت إليّ القولَ عنهنّ زَوْلةٌ

تُلاحِنُ أو ترنو لقول المُلاحِنِ

أي تَكلَّمُ بمعنى كلامٍ لا يُفطن له، ويخفى على الناس غيري." ثم قال: "وقال القتّال الكلابيّ:

ولقد لحنتُ لكمْ لكيما تفهَموا

ولحنتُ لحْنًا ليس بالمُرتابِ" ثم قال: " ومنه قيلَ رجلٌ لحِن إذا كان فطنًا؛ وقال لبيد:

متعوّذٌ لحِنٌ يعيدُ بكفِّهِ

قَلَمًا على عُسُبٍ ذبُلنَ وبانِ"

وهذه موافقة صريحة من السادة الشعراء الذين شرّفونا في المقالة؛ الطرماح والقتال الكلابي ولبيد، ينضمون إلى فريق الحجاج.

وآخرًا وليس أخيرًا: "قال عثمان بن جنّي: منطقٌ صائبٌ أي تارةً تورد القولَ صائبًا مُسدّدًا، وأخرى تتحرّف فيه، وتلحَنُ أي تعدِلَه عن الجهة الواضحة متعمّدةً بذلك تَلَعُّبًا بالقول." إلى فريق الحجّاج. وقال ابن منظور: "وقيل معنى قوله وتلحنُ أحيانًا أنها تخطئ في الإعراب، وذلك مما يُستملح من الجواري، ذلك إذا كان خفيفًا، ويُستثقل منهنّ حاقُّ الإعراب."

وهذه الصيغة أعني (قيل) صيغة تَشي بوهن الرأي، فأكثر العلماء على الشرح الأول، شرح الحجاج.

ثم لخّص ابن منظور الباب، ووضع المعاني كلها أمامك، يقول: "للحنِ ستة معانٍ: الخطأ في الإعراب، واللغة، والغناء، والفِطنة، والتعريض، والمعنى." الغناء شواهدُ جميلة، قال يزيد بن النعمان:

وهاتفَينِ بشجوٍ بعدما سَجَعتْ

وُرق الحَمام بترجيعٍ وإرنانِ

باتا على غُصُنِ بانٍ في ذُرى فَنَنٍ

يُردِّدانِ لُحونًا ذاتَ ألوانِ

وقال: "يقال فلانٌ لا يعرف لحنَ هذا الشعر، أي لا يعرفُ كيف يغنّيه." ولا أدري هل يقصد بذلك غناء الوَزن أم الغناء عامةً.

فالفريقان:

فريق الحجاج: معاوية رضي الله عنه، وعيسى بن عمر، والأصمعي، وابن المنجّم، والليث، والطرماح، والقتال الكلابيّ، ولبيد بن ربيعة، وابن جنّيْ.

فريق هند: الجاحظ.

ويبدو أن هند ذهبت مع فريق الحجاج ولكن لا تريد الاعتراف بذلك.

مراجعة مانجا: أسطورة زيلدا: أوكارينا الزمن ج٢

  The Legend of ZELDA ocarina of time p.2 الصفحات: 189 التقييم: ★★★☆☆ 3/5 يظهر في هذا الجزء شِيك، وهو شخصية غامضة، عميل مزدوج يوجه لينك ويتج...