الثالثة والثلاثون لا أستكينُ لأشياء الماضي، كذبتُ نفسي طوال حياتي بهذه الدَعوى، إنني أقيّدُ نفسي بما اتصلَ زمنُهُ بزَمني ولو فرّقنا المكان، ولا أتجاوز إلا ما قُصرتُ على مفارقته، ثم أتعزز بالعزة الواهية وأخرق الصور، وأمحو الذكريات، وأعلنُها: أنا لا أستكينُ لأشياء الماضي. كل شيء أدورُ فيه دَوَرانَ الخُذروف، وأستنبطُ غيرَه وأدور فيه، حتى يغدو زماني دوامات لا تنتهي من الأمور التي لم أتجاوزها، لستُ ممن يرى الرسومَ رسومًا، بل أرى جِدّة في قلبي لكلّ ما أحبه، وإن مللتُ من موقف فسرعان ما أشتاقه: مللي كاذبٌ وشوقي صَدوقٌ فاتقِ الله في المَلولِ المَشوقِ أمشي أجرّ خيوطًا متصلة لا تصير ذِكرى إلا أن تنقطع، وهي لا تنقطع فتصيرُ ذِكرى، فكأنّ حياتي حاضرٌ ممتدّ لا ماضي له. وقعت في يدي صورة لي وأنا صغير، وجعلت أتأملُ هذا الصبي، ما الذي غيّر قلبَه؟ ما الذي سلبَه الابتسامة الصادقة؟ ما الذي لطمَ وجهه بهذه الظِلال الكئيبة؟ عجيب أمر الثلاثين، لم أكن أحسبه عمرًا مُرعبًا إلى هذه الدرجة، كنت أرى أهله رجالًا أشدّاء، فلما بلغتُه وجدتُهُ عنق الزجاجة الذي تتحسر فيه على مُتّسعٍ فاتك مما لن تستطيع تداركه، وتتخوف في...
الموسيقي الأعمى فلاديمير كورولنكو الصفحات: 213 التقييم: ★ ★ ✩ ✩ ✩ ترجمة: سامي الدروبي - دار الفارابي كورولنكو من طبقة مكسيم غوركي وليونيد أندرييف، وهؤلاء لهم أسلوب مختلف عن أسلوب تولستوي ودوستويفسكي، يجنحون أكثر إلى الاستعارات والكتابة الشاعرية. لم أكن أعلم.. وبدأت القراءة لأنني أحب الروايات التي تحكي قصة عبقري فنان، من بدايته إلى أن تطبّق سهرته الآفاق، كـ بيث هارمون في مناورة الملكة، فبدأت قراءة الرواية على هذا التوقّع طفل يولد أعمى، فيحس بالأصوات كما لا يحسها المبصرون، فيتوصل إلى أنغام عبقرية، فلم تكن القصة كذلك، وإنما هي وصفٌ للعمى، كيف يشعر الأعمى الذي وُلد أعمى بالأشياء حوله، والألوان، والفصول، والناس، وما تولده الأسئلة عن حقيقة الأشياء في نفسه من العجز الذي يسحبه إلى الكآبة وغير ذلك. قيمتها ٢ من ٥ تقييمًا شخصيًا لا تقييمًا لفنّها، فهذه الرواية لها حضور كبير في الأدب الروسي. في بداية قراءتي للرواية اطلعت على بعض المراجعات عليها، فوجدت في مراجعة الكاتبة بثينة العيسى نقدًا سلبيًا أن الناس حول الأعمى كلهم مراعين محبوبين، يعطفون عليه، وحقيقة الكاتب يظهر أنه يريد أن تكون معاناة ا...