السبت، 24 يناير 2026

مراجعة رواية: شيطنة - بولغاكوف

 مراجعة رواية: شيطنة - بولغاكوف

العنوان: شيطنة

للكاتب الروسي: ميخائيل بولغاكوف

ترجمة: ثائر زين الدين وفريد الشحف

الصفحات: 102 صفحة

التقييم: 1/5 ☆☆☆☆★


أمين سر في مستودع أعواد ثقاب اسمه كورتكوف، يظن هذا الرجل أنه سيبقى على روتين العمل الذي عرفه منذ سنوات، ولكن التغير الذي حدث في روسيا بعد الثورة البلشفية قلب كل شي، فيتفاجأ كورتكوف بأنه ولخطأ إملائي فُصل من الوظيفة. فيعيش حياته يحاول معرفة السبب، وكلما تقدم تعقدت الأمور إلى آخر الرواية.


 ذكرتني الرواية برواية المحاكمة لفرانز كافكا، ولكن مع قصور وضعف شديدين، رواية المحاكمة كانت مُحكمة ولو لم يقتنع بها كافكا، كافكا بارع جدًا.


الرواية عجائبية، ولكن يصل الأمر إلى عدم دقة تصوير المكان والزمان، فتحسب أنك تتصور الأحداث في القبو والسطر التالي يتضح أنهم في السطح، العجائبية وتحول الكائنات، وتداخل الأمور لا شك أنه فن جميل، ولكن أداءها بطريقة عدم تقديم الحدث بأي مقدمة صيّر الرواية غير مفهومة، عموم مقاصدها مفهومة، ولكن تفاصيل وصفها لا معنى له.


قرأت لبولغاكوف قبل هذه رواية مورفين، وكانت رائعة، أما هذه فأشعرتني شعورًا غثًا لم أشعر به إلا عند قراءة المسرحية السخيفة الإسكافية العجيبة لشاعر إسبانيا الأوحد السخيف لوركا.


أعتذر لهذا الانفعال واللغة السوقية.


كتبت على طرة الكتاب عندما انتهيت:

سخيفة، عموم فكرتها مفهوم، لكن العجائبية سخيفة ولا تصور لك ما يحدث، ولأنها عجائبية فأحتاج لوصف أدق فإني لا أستطيع القياس على الواقع، هل هذا بسبب ترجمة ثائر زين الدين وفريد الشحف؟ لا أدري، ولا أريد أن أدري! تبًا لبولغاكوف، ودار الرافدين، وللفتاتين اللتين أخذتا مكاني في المقها.. وللألف المقصورة!


أعتقد أن احتلال مكاني في المقهى كان مساهمًا في سخطي من الرواية.

حاشية: مسألة احتلال مكاني في المقهى ما وجدت لها تفسيرًا، فإني دخلت المقهى ووضعت ما معي على الطاولة لأطلب عند الكاشير، فلما عدت وجدت فتاتين تجلسان وبينهما طاولة عليها كتبي!

فكرت لحظة؛ هل أطلب منهما القيام لأني حجزت هذه الطاولة؟ فشعرت بأن لي حقا في ذلك، نعم، ولكن لم أفعل. اقتربت منهما فوجدت ترتيب الكتب مختلفًا، فهذا يزيد أنهما حركتا الكتابين، اقتربت وقلت: عفوا.. كتبي. ومددت يديّ لآخذها فقالت إحداهما: أوه sorry.. قلت: لا باس.. وذهبت لطاولة أخرى.

لم لم أطالب بحقي؟ ولم لم أغضب لهذا التصرف الغريب؟ لأني لا أطالب بحقوق أكبر من هذا، فأنا معتاد على ترك الأمور تجري كيفما اتفق.

هذا التصرف مصيبة عند أبناء العصر، ولا تعلمون كيف هو عادي جدًا بالنسبة لي، الذي أزعجني هو أن المكان مثالي جدًا للقراءة، وخلفه مصدّ هواء، وكان الهواء شديدًا. وما لثبتا أن قامتا فعدت للمكان.

الثلاثاء، 20 يناير 2026

مراجعة رواية: مانح الأسماء - ليوناردو جاروارو

 مراجعة رواية

مانح الأسماء - ليوناردو جارزارو

رواية: مانح الأسماء

للكاتب البرازيلي: ليوناردو جارزارو 

الصفحات: 99

التقييم: 2/5

دار النشر: العربي للنشر والتوزيع

رواية شِبه عجائبية، عن شيخ في القرية غامض، يأتيه الناس يشتكون من أسمائهم، فيعطيهم أسماء أخرى تليق بحياتهم الحالية، أو تليق بطموحاتهم المستقلية، أو لا يغير شيئًا إذا لم يكن لشكواهم معنى.


في البداية شعرت بخطأ ما، وبت أناجي نفسي: ما الذي دفع هذا الكاتب للكتابة بهذا الشكل المقطوع؟ أشعر أن ثمّ شيئًا ناقصًا.


فبحثت عن الرواية، باسم مانح الأسماء، فلم أجد غير إصدار دار العربي فترجمتها للبرتغالية فلم أجدها كذلك، ففتحت الصفحة الأولى، عادةً ما يُكتب عنوان الرواية بلغته الأصلية، فوجدته:


O GUARDIÃO DE NOMES


وهنا بدأت مغامرة من مغامراتي في المقارنات بين الترجمة والنسخة الأصلية، وكانت مليئة بخيبات الأمل!


أولًا: عنوان الرواية: حارس الأسماء وليس مانح.

ثانيًا: وجدت الرواية في أمازون بحجم يزيد على أربعمئة صفحة! فلماذا التي في يدي لا تتجاوز تسعةً وتسعين؟ هذا غريب، فوجدت في الصفحة الأولى هذه العبارة:


"هذا الكتاب هو مجموعة مقتطفات مختارة من رواية مانح الأسماء وقد نُشرت بهذا الشكل بالاتفاق مع المؤلف."


تمام، اتفقتم مع المؤلف على هذا، وهو أمر مقبول لو كانت مجموعةً قصصية كما يظهر لمن يقرأ الترجمة العربية، فهي عبارة عن سبع قصص لا يربط بينها إلا فكرة وجود رجل يتعامل مع أسماء الناس، وقصصهم الجانبية، ولكن الأمر الذي لا يُقبل، أنها رواية متكاملة الأركان، فما الذي حُذف من الرواية حتى صارت مجموعة قصصيةً مبتورةً هكذا؟


قرأت مقالات تلخصها وتحللها فوجدت ما يلي:


يقرر البارون ألفاريس كوريا أن يسمي كل شيء تحت ملكه، يقف بنفسه ويسميه من المواليد الجدد إلى أقلّ نعجة، ويقرر تسمية أبناءه طبعًا، وعند الابن السابع يختلف مع امرأته فيقرر ألا يسميه، ويكبرهذا الطفل ويصبح حارس الأسماء الذي نجده في غرفة مليئة بالكتب يدخل عليه الناس ويغير أسماءهم، فهو يمنحهم ما لم يحظ به قط.


والذي فهمته أنها أصبحت بعد ذلك عادةً، في كل جيل من عائلة البارون ألفاريس كوريا يخرج حارس أسماء، وأن الموجود في الرواية هو من الجيل الثالث، والنهاية تكون برجوع هذا الرجل لنفسه وتفكره أنه لا يملك اسمًا ولا هوية في مجتمع فيه كل شيء.


كل هذا فقدناه في الترجمة العربية، وأوردت ما لا قيمة له من قصص جانبية في عمل حارس الأسماء وهو يغير أسماء الناس، وليست كل القصص كذلك!


اقتباسات:

«فكّر في استحالة أن تكون الحياة مثاليةً، فكلّ رجلٍ يحتاج شيئًا يشكو منه، لذا كان عليه أن يتحمّل نباحَ كلبِ الجار في الفجر.»

ص8

«يا إلهي! ماذا يُخفي هذا الرجل؟ تمنّت أن يكون شيئًا يستحقّ المغفرة، فقد أرادت مسامحته، رغم أنّها كانت مستعدّةً لخنقِه.»

ص25

مراجعة رواية: السرو الحزين - أغاثا كريستي

مراجعة رواية

السرو الحزين لـ أغاثا كريستي



رواية متكاملة، جيدة، لا خطأ فيها، ليست معقدة، واضحة الملامح، تجتمع أحداثها في متناول قريب من الذهن فما تنفصل عنها وتشعر أن ثَم شيء فاتك.


هيركول بوارو في هذه الرواية لا يبحث عن القاتل فقط، بل يبحث عن القاتل ليبرّى متّهمًا كل الأدلة والأحداث تصب ضده.


تبدأ القصة في المحكمة في الجلسات الأخيرة لمحاكمة إلينور كارليسل في قتل ماري جيرارد، ثم يعود الزمن إلى بداية أحداث جريمة القتل هذه، إلى حدوث الجريمة، ثم تجري أحداث تحقيق بوراو حتى نصل إلى لحظة المحكمة التي بدأنا بها الرواية.


أنصح بالرواية لكل أحد، نصفها دراما ونصفها تحقيق، فهي متوازنة كما قلت لكم.


التقييم: 3/5 ★★★☆☆

-

«إن الحبّ مسألةٌ يائسةٌ معذِّبة، يمكن أن يجعل النكرةَ إنسانًا رائعًا، ويُمكن أن يهوي بالشريف إلى الحضيض!» ص١٣٩


«.. ولكنّ الرجال جميعهم سواء؛ يسهل وقوعُهم بمعسول الكلام والوجوهِ الجميلة!»ص١٦٢


«هكذا هي الحياة؛ إنها لا تسمحُ لك بأن تُخطط وتُرتّبَ وتأمرها كما تشاء، لا تسمح لك بأن تتجنّب العواطف وأن تعيش بعقلك وذهنك فقط، لا يمكنك القول: سأشعر بهذا القدر لا أكثر. إن الحياة يا سيد ويلمان، كائنةً ما كانت صفاتُها الأخرى، ليست عقلانية.»ص١٨٠


«إن التفكير بالقتل لا يؤذي أحدًا حقًا، إن للناس أفكارًا سخيفة حول هذا الأمر، فهم يظنون أن التفكير بالقتل يُعادل التخطيط للقتل! وهو ليس كذلك. إذا ما فكرت بالقتل لفترة طويلة فإنك تتخلصين فجأة من سواد قلبك وتشعرين أن الأمر كله سخيف.» ص٢٨٩


(تحليل - حرق 🚫)


ألينور في المحكمة كادت تقول إنها مذنبة لقوة شعورها بالذنب لأنها فكرت بقتلها فقُتلت، وكادت تصدق أنها فعلا مذنبة لأن كل الدلائل تشير إليها.


أما رودريك ويلمان فقُدم في البداية أنه شخص حازم عملي، ثم ظهر ضعف شخصية وأن الكاريزما التي يظهرها لم تكن إلا فطرة وقشور لا حقيقة فيها.


أما دافع القاتلة فهو مقبول حين ظهرت حقيقة كونها تسعى للمال بقتل زوجها والعجوز التي كانت تقوم برعايتها في نيوزلندا، فنعم قد تخطط هذا التخطيط الدقيق البارد الطويل.


أما بيتر لورد فهذا الطبيب أكثر شخصية لامست عواطفي، فحبه الصادق الصامت لإلينور هو الذي حركه لحث هيركول بوارو على تبرأتها بأي شكل، ومشهد مراقبته لها بصمت من الأشجار وهي تصنع الفطائر، مشهد مؤثر جدًا بالنسبة لي.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

رسائلي إليها (٦)

 رسائلي إليها (٦) 

٢٣ ديسمبر

عزيزتي،

بَعُدَ عهدي بآخر رسالة، لم تخمد نار الشوق، ولكن أوهىٰ مِعصمي أن يكتب إليكِ علمي أن هذه الرسائل لن تصل، هي رهينة المحبسين.. قلبي ودرج المكتب، لا فرق إن كتبتُها أو كتمتُها.


هذا الفراقُ.. فراق التسعةِ أشهر، كان أولُها تشاغل، وأوسطُها تَصابُرُ، وآخرُها جَزَع. هكذا، وإن امرءًا يبتسم بعد ذلك لجَليد، فابغي ليَ الحُسنىٰ بوَصْلٍ يسقي ذوابلَ نفسي، فنفحةٌ منكِ تُحيي بساتينَ الحياة فيها.


عزيزتي.. في أحلك زوايا غُرفتي ظُلمةً، غصصتُ بذكرىٰ عابرة في حِساب الأيام، راكزةً في نفسي أبدًا، لقد أرِقتُ وما همّي سواك، فسلّمَ اللهُ وجهَكِ الأنور الأزهر، وقلبَكِ الميمون الأطهرَ، أحبّك.. وأحبّ أني أحبك.


أكتبُ إليك والفجرُ مُطِلٌّ بتباشيرِهِ، وعُقَدُ الغمام محلولة عن مَطَرٍ لطيف، كنتِ أولَ خاطر، فجرتْ دعوة باسمك إلى السماء، لتكون على قلبِكَ ألطف من هذا المطر.


قبل أيام كنت أمشي في بستان، وقد ظللتني شَجَراتٌ ألقت عليّ شُعاعَ الشمسِ كليلًا، قِطعًا خافتةً كفتائل قاربت غرقها في شموعها، وهبّ النسيم عليلًا على السنابل، فهزت رؤوسَها شَجىٰ، وعلى الماء فاضطربَ كأنّه مُجهِشٌ يُمانِعُ عَبْرَتَه.. وددتُ حينَها لو كنتِ معي، لأمسك يدَكِ، فأقبّلها، وأفدّيها، ثمّ أضعها على كبدي فيسكن رَجفانُها، وعلى قلبي فيهدأ خفقانُه، وعلى عيني فتبرد، ليتك معي.


أ.س

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

رسائلي إليها (٥)

 رسائلي إليها (٥)

هذه رسالة أرّخها العاشق بتاريخ ١١ أغسطس، وتظهر فيها رشاقة قلمه الأدبية:


عزيزتي،


كم بيننا من قُرىٰ وجُدُر، وقومٍ نُكُر، مستزئرينَ أن يفرّقُوا بين المرء وإلفِه، مستأملينَ أن يودي حَتْفَ أنفِه، لو استطاعوا داخلوا نفسَهُ فأتلفوا حُشاشاتِه، يؤذيهم رَسيسُ الحُبّ وقد رأوا تساقُطَ أوراقِه، ويَغيظهم شعشعانُ نورِهِ بين فُرُجاتِ الكَمَد، يتفرّسونَ فيه لَحْنًا يهديهم، وسَقطةً تعدلُ رأيهم، وهو يتجلّد ويتجلّد، فيحبسُ دون الشامتينَ مَصونَ دمعه، ويبتسمُ والحُزْنُ ينهشُ بين كبده وقلبه، حتى إذا هدأت الأصوات، وأسدلَ الليل ستائر السكون، وهدهدت السماءُ الأرضَ؛ اختنق بعبرتِه، وخفقَ قلبُه، ونطقَ باسمِكِ هامسًا، ثم نطق به مرةً أخرىٰ، وما زال يعاودُ ذلك بين كلّ شهقتَين، حتى يغلبَهُ البكاء، ويُسكته النحيب.


أنا كثير التأمّل والتفكّر، كثير التحليل كما يُقال، كلّ بابٍ أدخلُهُ يخلُصُ بي إلى غيرِه، قضيتُ حياتي هكذا، وعندما بلغتُ باب الحُبّ، وقفتُ أمامَهُ لحظة، هي لَحْظة في العُمُر، سَنةٌ في الشعور. وأخَذَتْ الأفكار تَوالىٰ عليّ، كأنّي ممسكٌ كتابًا تُقلّبُ الريح صفحاتِه، تقلّبُها بسرعة، وعيني تلقط جملةً ثم تُقلب الصفحة، فتلقطُ جملةً أخرى فتقلب؛ وهكذا على غير اتساق، أو كأني أمشي على طبقات أرض هشة، فكلما وقعتُ على أرض انخسفت بي إلى غيرها، فقبضتُ على مقبض الباب فإذا هو دافئ، كأنّي قد فتحته من قبل، ثم دخلتُ، وألقيتُ عصا الترحال، ووالله ما في نفسي التحوّل عن هواكِ إلى هوىٰ سواك، ولا لعيني نفاذُ في جمال لم يكن له حظ منك.


أديري ناعستَيْكِ في صفحة الليل؛ لتَرَيْ نبض أشواقي في نجومِه، يا جمالًا رأته عيني مرة؛ فوعاه قلبي إلى الأبد. 


وسلامٌ على ذلك القلب المَخْموم، ورحمة الله على تلك الروحِ الطاهرة، وبركاتُه على ما طيّبَ الأردان.


متيّمك

أ. س.

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

رسائلي إليها (٤)

 رسائلي إليها (٤)

هاتان رسالتان من رسائل أ.س في الأولى تظهر حيرته، والفاته إلى نفسه وفي الثانية تظهر بوادر يأسه من حياته، ولذلك فصلهمها إذ كتبهما في يومين متتالين.

-

١٣ سبتمبر

عزيزتي،


تذكّرتُكِ.. وما أكثر ما أتذكرُ شعوري الأول، شعوري المتردد عندما رأيتك أول مرة، والذي بقي مترددًا حتى انقطع اجتماعنا اليومي، فبتّ متحسرًا أنني لم ألتفت لهذا الشعور المتردد.


لو كنتُ أطعتُ قلبي مرةً فيما يُحِبّ، كيف ستكون حياتي؟ لقد أهلكتُ قُوايَ بالتعقّل المفرط، والحذر المستريب، حتى خرجتُ خاسرًا في كل معاركي، الهارب من معاركه خاسرٌ حيّ، وهو أسوأ ممن حاول.


أنا أحبّك.. ولم يبقَ في يدي خيطٌ أتوصل به إليك، أغلقت دوني السبل، ووضعت السدود، وهذه السدود لا تزداد إلا غلظًا، لا أحب هذا الموقف، أنا حائر لا أدري ماذا أصنع، متوقف بين إقدام وإحجام، وشد وإرخاء، وعزم ونكوص، أريد إشارة منك تجعلني أندفع اندفاع نهرٍ أزيلت من أمامه صخرة حالت دون جريانه.


رسائلي بدأت تتقلص، وبدأت تلبس لغة بيضاء لا فن فيها، لم تعد نفسي تحتمل توليد المعاني وإسباغ الألفاظ الرائقة، ملّت كل شيء.. تركت كل شيء.. إلا حبك! والله لا أدري ما الذي يغذيه، ولكنه قوي جدًا لم تنفصم منه عُروة، ولا انحلت عقدة.


مُحبك المشتاق

أ.س

-

١٤ سبتمبر

عزيزتي،


ما لي أرىٰ كل عاشقٍ نالَ حظوةً عند معشوقه، وحاز رضاه، وقرّ به عينًا؛ وأنا كل يوم أتقطعُ حبًا، وأتضرم شوقًا، ثم لا يكون منك شيء؟ إني لأشك بذلك اليوم الذي كشفتُ لك فيه عن مكنون قلبي، هل كانت تلك المحادثة فعلًا؟ هل محادثتي لك في شهر نوفمبر قبل سنتين كانت حقيقة؟ عندما وصفت لك نفسي فقلت لي: أنت ذلك الأسمر؟ نعم أنا ذلك الأسمر، وأحسبني ازددت اسمرارًا للذي لقيتُه من غم وهمّ يغدوان علي ويروحان تحدوهما شدة التفكير بك وبحبك الذي أغلق عيني عن كل لذائذ الدنيا.


والله إني أبحث كما يبحث منتقش الإبرة من الأرض عن كل صورة تشبهك، وكل شيء له علاقة بك،  لعلي أهدأ قليلًا.. ولكن ذلك لا ينفع!


أنا لا أطيق، ولا صبر عندي، لا أدري كيف صبرت على هذا الشيء الذي أستحي أن أسميه حُبًا!


لن أنويَ السلوّ، كما لم أنو الحبّ، متى ملكتُ زمام نفسي أصلًا ؟! 


مع السلامة


أ.س

الأحد، 19 أكتوبر 2025

قاعدة في فهم الشعر

 قاعدة في فهم الشعر

في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه.

لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه.

وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم.

وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم.

فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير:

فغض الطرف إنك من نُمير

فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا

فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن هذا البيت. ودلّني ذلك إلى المغالبة في الهجاء، فهي أن يقول الشاعر بيتًا فخرًا أو هجاءً فينقضه عليه خصمه، فإذا لم يستطع نقض الهجاء غُلِب. ورأيت أن الفرزدق وجرير ما زالا يتعاركان ولا يهتدي أحدهما إلى الإحاطة بصاحبه حتى يغلبه. فكان هذا الفهم الذي هداني إليه ربي فاتحةً لفهم كثير من الشعر.

فمما أخبروا أن ليلى الأخيلية غلبت النابغة الجعدي، استنكرت ذلك وأكبرته، ولكن سلّمت به، وعرفت العلة بعد ذلك حين فهمت تغليب جرير، فقد فعلت ليلى مثل ما فعله جرير، ولكن ردها كان نقضًا لقول النابغة:

ألا حييا ليلى وقولا لها هلا

فقد ركبت أيرًا أغرّ مُحجّلا

هلا كلمة تُهدّأ بها الفَرَس عند الضراب، فقالت ليلى:

تُعيّرني داءً بأمك مثله؟

وأي حَصان لا يُقال لها هلا؟

فكان ردّها أن الحصان غير المعتادة ستكون خائفة فسيُحاول أهلها تهدِأتَها، فجعلت النابغة بين نارين، إما أن يقول أن أمه لا يُقال لها هلا وهذا معناه أنها ليست بحصان، أو يُقرّ بذلك فيعود قوله الأول على أمه كما هو على ليلى! فسكت عن الثنتين كما سكت الراعي، فغلبته ليلى.

مَظهَر أخير من توقير كلام السلف وعدم معارضتهم؛ أني قرأت خبرًا أن الأصمعي قرأ شعر الحطيئة على أبي عمرو، فبلغ قوله:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

أي خدعتني وزعمت أنك صاحب لبن وتمر، فصحّف الأصمعي فقرأها:

وغررتني وزعمتَ أنك

لا تَني بالضيفِ تامُر

أي خدعتني وزعمت أنك لا تفتر عن الأمر بإكرام الضيف. وتصحيف الأصمعي منطقي، لأن رسم (لابن) كرسم (لاتن) فقال أبو عمرو: تصحيفك أحسن من بيت الحطيئة. فاستنكرت أن يكون تصحيف للأصمعي أشرفَ من بيت للحطيئة، وبعد وقت قرأت قصيدة الحطيئة، ووجدت أن البيت لوحده هكذا سيكون نعم تصحيف الأصمعي أشرف وأحسن من بيت الحطيئة، لأن فيه شكوى، ولكن البيت مع ما بعده أفضل وأحسن وأعلى،  ويحول المعنى من الشكوى إلى الاستهزاء ، قال الحطيئة:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

ولقد صدقتَ فهل خشيتَ

بأن تدور بك الدوائر

فكذّبه أولًا، ثم صدّقه وقرن تصديقه بوصفه بالبخل، وحاصره، فصدق الإمام أبو عمرو وأحسن الأصمعي وأحسن الحطيئة.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

تِتْرِس Tetris

تِتْرِس Tetris

لو سئلتُ سؤالًا غير السؤال المعتاد: "من أفضل شاعر عندك؟" وقيل لي: "ما أفضل لعبة فيديو عندك؟" لكانت إجابتي أكثر طرافة: Tetris.

لا يمكن أن تجد إنسانًا لم يلعب تيترس، هذه اللعبة موجودة على كل جهاز يعمل بالبرامج؛ الحواسيب وأجهزة ألعاب الفيديو، والهواتف، وشاشات التلفاز، وتستطيع وضعها حتى في الميكرويف!

قصة تطوير اللعبة بدأت حين كان مهندس برمجة يريدُ اختبار شيء في حاسوبه، حدث ذلك عام ١٩٨٥م في الاتحاد السوفييتي، والمهندس هو ألكسي باجيتنوف.

جلس ألكسي أمام حاسوبه (إلكترونيكا ٦٠) وحاول اختبار شيء فيه، وكان قبلها اشترى لعبة بينتومينو، وهي لعبة فيها قطع ملونة، ترتبها في محيط معين، على شكل مطلوب منك. فقال: لم لا أطور لعبة تختبر الحاسوب بفكرة أبسّطُها من البينتومينو. فقلل أشكالها من ١٨ شكلًا إلى سبعة، وكل شكل عبارة عن ٤ مربعات متلصقة، مقلّبة بكل شكل ممكن، ولأن مادّتها من أربع مربعات صار اسم اللعبة «تيترا» وهي كلمة يونيانية تعني أربعة، ورياضة: التنس! ما علاقتها بالتنس؟ لأن باجيتنوف كان يحب هذه الرياضة، فصار اسم اللعبة: تيترس Tetris.

اللعبة فيها سبعة أشكال سأصفها لك باعتبار أنك لا تعرفها، وأنك تقرأ المقالة في جزيرة معزولة في المحيط الهادي ولا تستطيع البحث عن صورة لها:

الشكل الأول: أربعة مربعات متراكبة، فتنشئ عصًا. ولونه سماويّ.

الشكل الثاني: تأخذ مربعًا وتجعله يمين المربع الثاني، فيكون شبه منجَل. ولونه أزرق.

الشكل الثالث: كالثاني ولكنّه إلى اليسار. ولونه برتقالي.

الشكل الرابع: مربعات منضمّة، فتشكّل مربعًا متوازيًا. ولونه أصفر.

الشكل الخامس: تقسم الشكل الأول في المنتصف، فيتحصّل عندك مربعين مربعين، فتلصقهما بمقدار مربع واحد يمينًا، شبه شكل برق أو حرف z. ولونه أخضر.

الشكل السادس: عكس الخامس. ولونه أحمر.

الشكل السابع: وهو أيقونة اللعبة، والشكل الذي يحل أزمات الترتيب، ثلاث مربعات، يعلو مربعها الأوسط مربعٌ. ولونه بنفسجي.

هذه الأشكال السبعة تَساقطُ متواترةً بعشوائية في مستطيل وعلى اللاعب أن يرتّبها، وينشئ من مربعاتها خطوطًا أفقية، كلّ خطّ يُكسبك نقاطًا، ولديك خيارين: تدويرها، وحفظها.

التدوير: يحصُل لك به أواع تساعدك على ترتيب الأشكال.

والحفظ: يجعلك تحتفظ بالمهم، أو تستبدل عوضَها شكلًا جديدًا، ثم تعود للذي حفظته في وقت آخر، والحفظ تستعمله مرة واحد عندما يسقط شكل، مثلًا؛ سقط الشكل الاول، حفظته، سقط بعده الرابع، لا تستطيع حفظه الان، يجب أن تضعه، ثم سقط الشكل الثاني، الان تستطيع استبداله بالمحفوظ، وتستطيع لعبه، فكتى احتجت للمحفوظ تلعبه، وهكذا.

تحصيل النقاط كما قلنا بترتيب الأشكال بحيث يكون خطٌّ أفق، فإذا استطعت تكوين خطّين بضربة واحدة فجائزتك أكبر، وثلاث خطوط أكبر، والجائزة الكبرى تكون بأربعة خطوط ضربةً واحدة، وهذه يسمونها «تيترس»، ولا تكون إلا بأن ترتب الأشكال وتترك مقدار مربّع فراغًا، وتبني الخط الثاني وتترك له نفس الفراغ، والثالث والرابع، فبذلك يصلح أن تدخل فيه العصا فتكون أربعة خطوط دفعةً واحدة.

وكان باجيتنوف يشعر بشعور مريح عند لعب اللعبة التي أنشأها، وبالأخص حين يصيب التيترس، وهو شعور رائع جدًا فعلًا!

اللعبة ثاني أكبر الألعاب مبيعًا في التاريخ، وليس فوقها إلا ماريو بسلاسله الكثيرة، أما تيترس فلا تصلح بغير هذه القوانين وهذه الأعداد من الأشكال والمربعات، وهي تتكرر منذ أربعين عامًا، مع ذلك هي ثاني أعلى لعبة مبيعًا.

***

أدمنتُها فترةً من عمري، وكنت أبدأ بها يومي، هي كأنها تمارين استطالة للمخ، تنشّطه، وتطوّر كفاءته في اتخاذ القرار السريع المناسب، وتطور تخيله لمآل الاختيار، وتطوّر حس الترتيب عند المرء.

وهذه الأمور العامة تنعكس على الحياة، فمثلًا لو أدمنت اللعبة ثم كُلفت بترتيب مائدة ستجد نفسك سريع الترتيب مع توازن ودقة في توزيع الأطباق، هذا تأثير مباشر.

كنت أظن التأثير تأثيرًا عارضًا، فسمعت أنهم درسوه أكاديميًا فوجدوا لها تحسينًا لما سمّوه: الإدراك المكاني.

بحثت عن هذا الإدراك فوجدته قائمة على قوة الخيال، فتستطيع أن تعرف الاتجاهات، وتتخيل شكل ترتيب غرفة من غير تحريك شيء فعليًا، كله يحدث في ذهنك. وله مستوى أعلى يكون إدراك الذهن في فضاء، أي إدراك ثُلاثي الأبعاد. إدراك الشمال والشرق والغرب والجنوب، وإدراك الفوق والتحت، وإدراك ما بين هذه، فوق شمال شرقي، تحت جنوب غربي، وهكذا.

ويبدو لي هذا الإدراك متجليًا فيمن يعرف القبلة من غير أن يُدَلّ عليها، أو من يركن سيارته وينزل للسوق، فمهما التفّ وصعد ونزل، يعرف جهة سيّارته، هذه أمور تقوّيها في الذهن.

ومما يعني على تعطيل الإدراك كثرة استعمال البوصلات، وبرامج الخرائط، حتى يُصبح المرء ولا يستطيع العودة إلى بيته من غير برنامج الخرائط.

**

لعبة تيترس Tetris أجمل لعبة لعبتها، ولها إصدرات بعدد نجوم السماء، ولكنّها إصدارات شكلية، لا تغير في قوانين اللعبة، لأنك إذا غيرت فيها تغييرًا مهما كان صغيرًا سيفسدها، فهي قائمة على منطق رياضيّ لا يختلّ بالتغيير.

الأحد، 21 سبتمبر 2025

رسائلي إليها (٣)

رسائلي إليها (٣)

يبدو أنني سأطيل عرض هذه الرسائل إذا غدوتُ أحلّلُها في كلّ مرة، لذلك قررتُ مذ اليوم أن أكتفي بنشرها تِباعًا، وأعلّق أحيانًا إذا نشأ عندي تأمّل ما. ولكن قبل أن أبدأ أريد أن أنبّه على بعض الأمور:

ظنّ صديقٌ لي ممن تابعَ الرسائل أنني مُتحايلٌ على القراء الأعزاء، وأن هذه الرسائل من كتابتي وليست من كتابة إنسان غيري، فاعلموا أن ظنّ صديقي غير صحيح، هذه الرسائل منسوبة إلى صاحبها أ.س.

لا أخفيكم أنّ أسلوب هذا الأديب العاشق أ.س. قد مازجَ نفسي فظهرَ بعضُه في أسلوب كتابتي، ولعلّ ذلك ما قذفَ في رُوع صديقي الظنّ الذي ظنّه.

سأحاول الالتزام بنشر رسالة واحدة في كلّ مقالة، وإذا كانت قصيرة سأنشر رسالتين في مقالة واحدة.

ثمَّ ورقة من الحجم الكبير مليئة بالعبارات الجميلة، ليست رسالة وإنما أشبه بمسودة لجمل يكتبها متتابعة على غير نسق، سأجعلها بعد نشر الرسائل.

أترككم مع رسالتين للأديب العاشق أ.س. 

-

عزيزتي،

هل أصبح حبي مبتذلًا؟ لا، لم يكن ولن يكون، ولا كلمة الحبّ بالتي تَبلى إذا كنتِ ضميرَها، أحبّك، أحبّك حتى ينقطع الصوت، أحبك حتى تخور القوى، أحبك إلى أن يقولوا: رحمه الله كان يحبها.

لا أفكر بالسؤال المشهور: هل الحب اختيار أم اضطرار؟ لأني في كلا الحالتين سأكون أحبك.

لم أترك لأحد خيارًا، كلهم مجمعون على أني مجنون، ألا فليُجمعوا! لم أُجنّ لأن فريقي خسر مباراةً، أو لأن سيارتي خُدشت، أو لأن طعامي لم يُتخمني، بل جُننتُ لأنّي أحبك، وما هذا بجنون، ولكنهم لا يعقلون! فإن رقّوا قالوا: مُوَسوسٌ موهوم! وما أصنع بحقيقة لا أتوهّم جمالَها؟ وكيف أنفكّ عن وهمٍ أجد جمالَه حقيقة؟ أكنت في حُلُمٍ دائم، أو واقع موهوم؛ أحبك ولا أحبهم.

أكثرت من ذكر الناس في هذه الرسالة، لقد أغاظني منهم ما سطرته فيها، لا أريد أن أغمك، ولكني أجد الحب اندماج الروحين، وانتظام النبضين، فما أفضيتُ بما يسوؤني إلا إلى نفسي فيك، ولا استبهجتُكِ يومًا بما يسرّني إلا لأسرّك فأُسَر، أنتِ أنا، وأنا أنتِ.


مَنْ يهواكِ دون البشر: أ. س.

-

أودّ أن أعلّق؛ يبدو لي أن أ.س. يعيشُ كثيرًا مع أفكارِه، هو يتخيّل أن الناس اعترضوا طريقه، هم سيفعلون لو أظهر هذه المشاعر، فسبقهم بالردّ قبل أن يبدرون باللوم.

حسنًا.. ترددت في نشر الرسالة التالية، وقلتُ لعلّي أنشر التي بعدَها أولًا، لأنها طويلة قليلًا، ولكن لا بأس.. سألتزم بالتسلسل.

-

عزيزتي،


ها قد مضت سبعةُ شُهور من هذه السنة الغريبة، لا أدري كيف استطعت الصمودَ بلا صُدفة تُحيي رميم عظامي، بلا نظرةٍ تجعلُ لكشحيّ جناحَيْ حُبورٍ أحلّق بهما ولو كان الناس يرَوْنني أمشي على الأرض.


لم أنسَكِ لحظةً، أنّىٰ وأنتِ حاضرةٌ بين كلّ نبضتَين، نبضة تنطقُ بأول حرفَين من اسمك، ونبضة تختمُ بآخر حرفين.


أنتِ الجمال الذي أنتظرُ تنفُّسَهُ في هذه الحياة، وأنت النّدىٰ الذي يبللُ أطرافَ الأزهار فنعلم أنها تبتسم، وأنت النسيم الذي يُناغمُ حقلَ الأرزّ فيتراقصُ ظلّه الذي أطالته الشمس الجانحة للمغيب، أنت اللونُ النقيّ الذي يجمع تناقض الألوان، فيُظهرُ ألا شيء فيه، وفيه كلّ شيء.


في صحراء لا يرىٰ أولها من آخرِها، تغرقُ في سرابِها الجبال، وتهلك في شِعابِها الضباب، وتفنى في وديانِها الأطلاح، لا يكاد سالكُها يصدّق أنه في الدنيا، صحراء يأس مُطبِق، إلا أن لكل إطباق يأس أمل وامض، وأملُها واحة يُحدّثُ عنها الناس ولا يعلمونها، واحةٌ تحفّها كثبان الرمال، وتفترش فيها النجوم، ويتأيّكُ الشجر، وينحني النخيل بأضغاثٍ تحمل رُطبًا؛ وكأنها أيدٍ تختَّمت بالعقيق، وفي وسطها ماء عذبٌ بارد، يسري في الأجساد سريان البرء في الأسقام، يكادُ شاربه لا يظمأ أبدا، فظل ظليل، ونسيم عليل.. وفيها فتاةٌ واحدة تمتشط، وتبتسمُ للجمال بالجمال، هذه الصحراء وواحتها قلبي الذي ما حلّ فيه سواكِ.


لم أكن أحسبُ أن يتفقَ قلبي وعقلي، حتى اتفقا على حُبّكِ، اتّفقا كما تُسلِم الأرضُ ماءَها بُخارًا إلى السماء، وكما ينزاحُ الليلُ برِفْقٍ ليحلّ مكانه النهار، هكذا .. بلا صخبٍ.


عزيزتي.. أختم رسالتي بتحيّتي إليكِ تحملُها تلك النجمة الخَجْلى في ومضاتِها الخافتة.


مُحيّيكِ بالحُسنى: أ.س.

مراجعة رواية: شيطنة - بولغاكوف

  مراجعة رواية: شيطنة - بولغاكوف العنوان: شيطنة للكاتب الروسي: ميخائيل بولغاكوف ترجمة: ثائر زين الدين وفريد الشحف الصفحات: 102 صفحة التقييم:...