الأبله
فيودور دوستويفسكي
الصفحات: ١،٠١٧
التقييم: ★ ★ ★ ★ ★
أمضيتُ وقتًا في قراءة هذه الرواية، وكعادتي مع الروايات الطويلة فإني ما أكاد أتجاوز ٢٠٠ صفحة حتى أتركها شهرين، ولذلك طالت القراءة سنةً ونصف كما حدث معي في رواية (آنا كارينينا).
هذه الرواية تغمّ القلب، لا تدري ما هذا المجتمع الذي يصفه دوستويفسكي، مجتمع مجنانين، مجانين علة، ومجانين اختيار.
أختصر لك الأجواء من غير حرق، على أني لا أرى أن روايات دوستويفسكي تقبل الحرق، لأن أكثر حدث يؤثر في الرواية هو حدث تكميلي بالنسبة لسبر أغوار النفس البشرية الذي أخلص له دوستويفسكي كتاباته، عمومًا:
الأمير لِيَيْف ميشكين؛ شاب مريض بالصرع، كان يُعالَج في مصحة شنايدر في سويسرا منذ صغره، يئس من علاجه من حوله، ولكن الطبيب شنايدر حاطه وحنا عليه وعالجه حتى عاد إنسانًا سويًا تزوره نوبات الصرع من حين لحين ولا تؤثر على عقله في الجملة.
يعود الأمير ميشكين إلى روسيا، ويزور قريبته الأرستقراطية اليزافيتا إيبانتشينا، ويتعرف على زوجها وبناتها الثلاثة، ويدخل في المجمتع من غير أن يعمد إلى ذلك، ولكنهم يجدونه شابًا لطيفًا طيبًا قوي الملاحظة، لا يخادع ولا ينافق، فيضمونه إليهم، ويحبونه، ويدعونه بالأبله، لشدة طيبته.
يرى الأمير ميشكين عَرَضًا صورةَ المحور الثاني في القصة، أعني أنستازيا فيليبوفنا، هذه الشخصية هي المحرّك الثاني للأحداث بعد البطل، لولاها لسارت الزواية في جهة أخرى.
أنستازيا فيليبوفنا امرأة تعيسة جدًا، لم تمرّ بي شخصية روائية بتعاستها، إلا أوليفر تويست ربما، بل هي أشد تعاسةً لأنها مدركة وأوليفر لا يعلم ما الذي يدور حوله، وحقيقةً؛ مرت بي لحظات كرهتها فيه، لكن عند نهاية الرواية وربط كل شيء حصل لها؛ فهمت تعاستها، وفهمت نظرة الأمير الثاقبة لهذا المخلوق المسكين، فهي امرأة محترمة تعيش عقدة ذنب لم تختره بكامل إرادتها، وضمت نفسها وضمها المجتمع إلى خانة الساقطات! كل ذلك بسبب استغلال وصيها لها وهي صغيرة، ثم محاولته "بيعها" على آخر بتزويجها له على مبلغ مال، كي يفك ارتباط اسمها باسمه وهو الذي "أفسدها"!
أما آغلايا ابنة إليزافيتا إيبانتشينا؛ فشخصيتها حادة أنانية، متسلطة، تختبئ خلف قناع الغصبان الطيّب، فتجد في كلامها للأمير نوع من إحراجه، وإظهاره مظهر المُخطئ أمام نفسه ولو لم يفعل شيئًا، كتهديدها إياه أن يتكلم في حفل الخطوبة، وتحذيرها أن يكسر خزفةً لأمها، مع أنه ليس من الطبيعي أن يكسر أحد قطعة خزفية، ولكنها لخبثها أرادت تكبيله نفسيًا.
ضايقتني النهاية، ولكن كانت متوقعة. الرجل الطيب الذي أشفق على كل أفراد المجتمع، عاد المحتمع ودمّره تمامًا، وعاش المجتمع بعده كأن لم يكن.
ومحموع الرواية ذكرني بروايته الأخرى: حلم رجل مضحك.
في الأبله: المجتمع دمر الدخيل.
في حلم رجل مضحك: الدخيل دمر المجتمع.
كل الشخصيات كانت بلهاء، وميشكين هو العاقل الوحيد، وهو المرآة التي كانت تُظهرهم على حقيقتهم، فهذه قائمة ما كشفه الأمير من جنونهم:
أنستازيا فيليبوفنا: كشف عقدة ذنبها.
آجلايا إيبانتشينا: كشف أنانيتها ووسواسها.
ليبديف: كشف جنونه بشعوره أنه مهمش.
هيبوليت: كشف جنونه بالعظمة التي لا يستطيعها.
جانيا: كشف جنونه بالمال.
روجووين: كشف جنونه بالتملّك، وتطرف مشاعره.
الجنرال إيبانتشين: كشف جنونه بالوجاهة على حساب عائلته.
الجنرالة إليزافيتا إيبانتشينا: كشف جنونها بالقلق المَرَضي على حياتها ومصير عائلتها، وكانت تخفي هذا القلق بحجاب من القسوة، وفي مشهد شعرت أنها طفلة أمام نفاذ بصيرة الأمير ميشكين.
والعجيب في هذا كله؛ أنهم تواطئوا -من غير اتفاق- بعد أن كشفت مرآة الأمير عللهم وأمراضهم النفسية لا على إصلاح ذواتهم، بل على تحطيم المرآة!
أحيانًا أرسم شخصية من شخصيات الروايات التي أقرؤها، وقد رسمت هنا أنستازيا فيليبوفنا
-
اقتباسات:
- تذكّر فيما تذكّرَ؛ أن نوباتِ الصَرَعِ التي كان يعانيها كانت تشمل على لحظةٍ تسبق النوبةَ بزمن قصير جدًا (وذلك حين توافيه النوبة أثناء اليقظة لا النوم) لحظة يضطرمُ فيها ذهنُهُ فجأةً وسط الحزن وظلمات النفس والاختناق، وتستعر فيها جميع قواه الحيوية دفعةً واحدة، فيتضاعَف إحساسُه بالحياة، ويشتدّ وعيه لذاته، إن الفكر والقلب يشرقان عندئذ بضياء ساطع، فإذا باضطرابه وشكوكه وقلقه ومخاوفه تهدأ على الفور، وتصير إلى نوع طمأنينة عُليا زاخرة، بوعي لعلّة العلل وغاية الغايات، غير أن تلك اللحظات أو الومضات ليست بعدُ إلا استشرافًا للهُنَيْهةِ الأخيرة التي تبدأ بها النوبة، هي ثانية لا تُطاق. ١/٣٩٣
- وبدون سبب من الأسباب استيقظت في ذهن الأمير ذكرى ابن أخت ليبديف الذي رآه منذ ساعات، وأخذت تفرض نفسها عليه بغير انقطاع، كما تفرض نفسها على المرءِ جملةٌ موسيقية تحاصرُهُ فيظلّ يردّدها وقد ضاق بها أشدّ الضيق.١/٣٩٧
- لا شيء ينفع في إصلاح المرءِ كما تنفع ذكرى ماضيه نادمًا.
- وما هي الليبرالية على وجه العموم أولاً؟ أليست هي الميل إلى تسفيه النظام القائم؟ (خطأ أو صواباً، تلك مسألة أخرى) أليست الليبرالية هي هذا؟ فإليكم الآن الواقعة التي لاحظتها: إن الليبرالية الروسية لا تهاجم نظاماً قائماً، إنما ما تستهدفه هو جوهر الحياة القومية، هي هذه الحياة نفسها لا المؤسسات، هو روسيا لا التنظيم الروسي، إن الليبرالي الذي أحدثكم عنه يمضي إلى حدّ جحود روسيا نفسها، أي إنه يبغض ويضرب أمه التي ولدته، إن كل شقاء يلم بروسيا، وكل إخفاق تُمنى به روسيا؛ يحمله على الضحك ويبعث في نفسه الفرح أو ما يشبه الفرح. إنه يشمئز من العادات الشعبية ويكره تاريخ روسيا ويبغض كل شيء. وعذره الوحيد، إذا كان له عذر، هو أنه لا يدرك ما يفعل، ويظن أن هذا الكره الذي يحمله لروسيا هو الليبرالية الخصبة. ٢/٢٤
- لم يبقَ لديه إلا إحساسٌ واحدٌ؛ وهو أن يراها جالسةً أمامَهُ وحيدةً وأن ينظر إليها، أما ما قد تحدثه عنه وتكلمه عليه في تلك اللحظة فأمر لا يكاد يعنيه. ٦٠/٢
- ثِقوا أن كريستوف كولومبوس لم يكن سعيدًا حين اكتشف أمريكا، بل حين أشرفَ على اكتشافِ أمريكا، حين كان على وشْك أن يكتشفها.
- كونوا على يقينٍ من أن لحظةَ سعادتِه القصوى كانت قبل اكتشافِه العالمَ الجديدَ بثلاثةِ أيام، أي حينَ استبدّ اليأسُ بصحبِه فتمرّدوا وأوشكوا أن يرجعوا أدراجهم إلى أوروبا.
- لم يكن المقصودُ هو العالم الجديد، لقد مات كولومبوس وهو لمّا يكدْ يراه، وهو لم يعرف في حقيقةِ الأمر ماذا اكتشف. المهمُّ هو البحثُ عن الحياة، هو السعيُ الأبدي إلى الحياة، وليس اكتشافَ الحياة! ٢/١٢٧
- لم تقطع آجلايا الصمت، واكتفت بأن تحدّق إليه، وكان ينظرُ إليها هو أيضًا، ولكنه ينظرُ إليها بعض الأحيان وكأنه لا يراها أمامَه. ٢/١٧٧
- كل عشبةٍ تنمو وتسعد، لكل كائن طريقه الذي يعرفُه، يصل ويرحل مُغنيًّا، أما هو؛ فهو الوحيد الذي لا يعرف شيئًا، ولا يفهم شيئًا، لا البشر، ولا أصوات الطبيعة، لأنه غريبٌ أجنبيّ في كلّ مكان، ولأنه في كلّ مكان دخيل منبوذ. ٢/١٧٥
- قالت آجلايا: (أصبحتُ لا أفهم شيئًا، يفكّر فيّ دونَ أن يُدرك أنه يفكّر فيّ!) الأبله ٢/١٧٩
تعليق: دائمًا الفتاة تدعي "عدم فهم شيء" حين يُصرَّح لها بحُبٍ ما.. والإشارات والأمارات أجلى من أن تكون صدمة حتى يعيا بها فِكر الإنسان فيعودُ "لا يفهم شيئًا"!
تبالَهْنَ بالعِرفانِ لما عرفنني .. وقلنَ امرؤ باغٍ أكلّ وأوضعا
- أنتِ وحدكِ تستطيعينَ أن تُحبّي بغير أنانيّة، أنت وحدَك تستطيعين أن تحبّي لا من أجل نفسك بل من أجل من تحبّين. ٢/٢٢٩
- وكان بِتيتْسين رجلًا متواضعًا مسالمًا موادعًا، ومع ذلك رأى في ذات يوم أنّ من الضروريّ أن يصارح جانيا وأن يناقشَه مناقشةً جادّةً، ففعل ذلك بشيء من الرصانة والوقار، مبيّنًا له أنه لا يأتي عملًا غير شريف، فلا داعي إلى وصفِه بأنه يهودي! ٢/٢٤٧
- يا كيس حِقد فوق ساقَيْن! ٢/٢٦٨






