التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ذكريات الجامعة

 من ذكريات الجامعة

دخلتُ الجامعة أكبُرُ دفعتي بثلاث سنوات، وذلك أني حُصتُ حَيْصةً قبلَها، ودُرت حول نفسي كأنّي يوسف باحويرث في حلبات "ريدبول"، إلا أنني مُجبَر لا بطل، وهو بطل لا مُجبَر، فدخلت كليةَ التربية الأساسية، ثم حسّنتُ نسبتي في الثانوية لأدخل كليّة الآداب في جامعة الكويت.

بداية جديدة في الجامعة، دخلتُها بنفسٍ قديمة تركن للكَسَل بلا دَعة، والتسويف بلا منفعة، وليس موضوعنا اجتهادي في الدراسة وإنما بعض الذكريات اللطيفة، والفوائد النادرة، ولعلها تكون سلسلة مقالات أو لا تكون؟ هذه هي المسألة.

في مادّة (النقد العربي القديم) عند د. حمد بن عبيد العجمي، كانت طريقته أن نقرأ بابًا من كتاب محمد مندور (النقد المنهجي عند العرب) وما يقابله في كتاب لعيسى العاكوب نسيت اسمه، ثم نعود ونكتب تقريرًا على طريقة (استجابة القارئ)  وهو نقد يعتبر القارئَ مركزَ جدوى العمل المكتوب، فلا وجود لأي ادَعاءٍ يدّعيه الكاتب في عمله حتى يكون مُبرهنًا باستجابة قارئ النص على شكل هذا الادّعاء.

عمومًا.. الأمر كان أبسط لأننا طلبةٌ لا نكاد نقيم تقريرًا مكتمل الأركان، فطلبُ (استجابة قارئ) أمر متفائل جدًا، فلذلك كان د. حمد العجمي يكتفي بأن تذكر موافقتك أو معارضك، وعلة الموافقة أو المعارضة.

كان محمد مندور يعتمد على النقل، فكان مستوًى صعبًا، وعيسى العاكوب على آرائه أو تأمَلاته، فكان المستوى السهل، وصاحبكم شعر أنّ هذا تحدٍّ فقمتُ وفوّقتُ قوسي إلى محمد مندور رحمه الله، في موضوع (قدامة بن جعفر) ولعنجهيّتي -وأنا إذ ذاك لم تظهر لي لحية بعد، ولم يأخذ الصلع والشيب من ناصيتي- قلت في مقدمة الاستجابة وهاهي أمامي:

"وقفتُ في هذه الاستجابة بين مندور وقدامة بن جعفر، ورجّحتُ بعضَ آراءِ قدامة فيما يخصّ تأصيله لعلم النقد، وفسّرت موافقتي فيما وافقت، وبيّنتُ معارضتي فيما عارضت." الله أكبر.

لا يقف العجب هنا، ولا أدري كيف احتملَ د. حمد رقاعتي وجهلي وقد كتبت بعد ذلك:

"بدأ مندور مبحثه في قدامة بن جعفر بقوله: "والناظر في كتاب قدامة يجد الاتّجاه البلاغي الشكليّ الذي انتهى بذلك العلم إلى التحجّر" ص٦٧. وقد بيّنت لي هذه الافتتاحية منهجَ مندور في النقد؛ فهو ينتقد نقدًا ذاتيًا يستهزئ فيه بصاحب النصّ المنقود إذا لم يوافق آراءه، وكذلك فعل، وقد كنتُ أنوي مجاراة أسلوبه النقدي؛ فوجدتُ أني سأستنفد مخزونَ الشتائم [!] والاستهزاء الذي لديّ، فآثرتُ الطرح الموضوعي على ذلك." شكرًا لك أنك آثرت الطرح الموضوعي.

أنتم تحسبون أنني وازنت بين كلام محمد مندور وقدامة بن جعفر؟ لا، انتقدت الاثنين!

بدأت أولًا بقدامة بن جعفر وتعريفه للشعر، فقلت إنه تعريف ناقص، فقوله: قول موزون مقفى دال على معنى" ينقصه: على ما استعملته العرب، لأن تعريف قدامة سيدخل فيه ما ليس بشعر كالنظم العلمي، والشعر الحر، ثم كانت الصدمة الصادمة، وأتيت بدليل، أوردت شعرًا موزونًا باللغة اليابانية! لا أدري ولكن أشعر أنني أصبحت نُكتة في القسم في ذلك الوقت، استشهدت ببيت من منظومة في الثقافة اليابانية لهشام عمر، ونسخته بالأحرف اليابانية كما هو، وكتبت طريقة نطقه أسفله! مدللًا أن هذا شعر موزون له معنى، ثم استمرّ التقرير كاملًا في مخالفة محمد مندور رحمه الله بغض النظر عمّا قاله، المخالفة لأجل المخالفة.

المهم، أذكر الدكتور أعطاني درجة كاملة من أربعة، وقال لي شيئًا من قبيل حسّن من أسلوبك، ولا أظنني انتصحتُ حينها؛ فقد سمعتُها منه مرة أخرى بعد سنتين في مادّة الشعر الجاهلي عندما شتمت طه حسين في الاختبار، ولكنّي انتصحت في الثانية، متمثّلًا بيت مزرّد بن ضرار:

تبرّأتُ من شَتْمِ الرجالِ بتَوْبةٍ

إلى اللهِ منّي لا يُنادى وليدُها

تعليقات

  1. غير معرف18/8/25 2:42 م

    اجعلها سلسلة(:

    ردحذف
  2. غير معرف18/8/25 3:04 م

    ساقني الفضول للبحث عن باحويرث وريد بول إن كنتم فضوليين مثلي فهو سائق سباقات محترف

    ردحذف
  3. غير معرف19/8/25 12:49 م

    تلك هي آثار زهوة الشباب وقوة الفتوة والوصول بعد طول المسير بسبب الكر والفر الذي عانيته كنت ك كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ غير أنه لم يتم مؤازرته حينها وتم لك بعد التوبة فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ یُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِیَغِیظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ

    ردحذف
  4. غير معرف4/9/25 6:22 م

    لا بأس فكل سوء أدب يقود إلى أدب هو أدب 😅
    مقال ممتع 👏🏼

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...