التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2025

الحَلُّ لكل شيء

 الحلُّ لكلّ شيء حين يجلس وحدَه رجلٌ كثير التفكير والقلق تصل به أفكارُه إلى مُعضِلاتٍ لا حلّ لها، ولا يرتاح باله حتى يبلغ بعَقْدِه الأفكارَ شِباكَ المسائل المُعضِلة. فتراه يُفكّر في وظيفته فيقول: كيف أكون موظفًا صالحًا والمؤسسة فاسدة؟ ما الذي أفعله إن كنتُ لا أُقدَّر بل لعلي أحاسب ظُلمًا إذا كنتُ موظفًا مثاليًا شغوفًا بالتصحيح، فيرتاح إلى أن المثالية مستحيلة بوجود المؤسسة الفاسدة، وأنه لا تصح المثالية حتى تصلح المؤسسة وهذا أمر خارجٌ عن إرادته، ثم يرفع كتفيه وكفيه، ويقوّس شفتَيه مُبَرْطِمًا، ويرتاح لبلوغه هذه المعضلة. أسمعك تسألُ ما البَرْطمة؟ هي العُبوس في انتفاخ يظهر جليًا في الشفة، قال أبو عبيد: البِرطام الضخم الشفة. وقال ابن دُريد: وهو البُراطِم. وأنشد: مُبَرْطِمٌ برطمةَ الغضبانِ بشفةٍ ليست على أسنانِ وبذلك نُسمي الشفة بُرْطُمًا، ولا أجدُها كذا في غير كلام الناس. نعود لصاحبِنا؛ تراه بعد ذلك يُفكّر في الزواج وقد جاوز الثلاثين، ويقول: أنا أريد أن أتزوّج ولكن أخشى أولًا ألا يكفي راتبي، فتخيل لو جهدنا بسبب قلة راتبي! وأيضًا ما الذي أفعله لو اختلفنا ولم ترضَ بالكلام العقلاني! [هكذا ي...

تحت ظلال الصنوبر: تأملات في تركيا

تحت ظلال الصنوبر تأملات في تركيا أمشي في إحدى بحيرات تركيا وارفة الشجر، اسم هذه البحيرة قَوْلجَكْ gülcük، طولُ البحيرة خمسَ مِئة متر، وعرضُها مئة وثلاثون، لطيفةٌ ملمومة، تحضنها الجبال، وتحفّها أشجار البرقوق والصنوبر، وفي ضفّةٍ بيتٌ ريفيّ كبير ذو سقفٍ مائل، عُنّابيّ السقف، أبيض الحُروف. في مواضع من البحيرة تجتمع الزنابق اجتماع الجواري، زنابق صفراء ووردية، لم أرَ كجمالِها زهرةً وهي في الماء متّكئةً على ورقها المستدير، المكان جميل والناس الذين يمشون جميلون، ربما أكون القذاة في هذا الجمال كله، وهل كمُلَ جمالٌ قطّ؟ حتى البحر الكامل لم يكمل جمالُه دع ذلك عنك. دُرت حولَ البحيرة ساهمَ الفكر، أتمثّل قولَ المتنبي: مغاني الشعبِ طيبًا في المغاني كمنزلةٍ الربيعِ من الزمانِ ولكنّ الفتى العربيّ فيها غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ وحين تتخلل الشمس بين شجر الصنوبر، أذكر قول المتنبي كذلك: وألقى الشرقُ منها في ثيابي دنانيرًا تفرّ من البنانِ كنت أسير ومعي كامرتي اشتريتها منذ زمن، نوعُها Fujifilm ألتقط الجمالَ هنا وهناك، وإن كانت نفسُ الشاعرِ تلتقط أسرع وأعمق مما تلتقط الكوامر، ولست بالمصور المحترف، وإنما أجر...

من ذكريات الجامعة ٢

  من ذكريات الجامعة ٢ لعلّي أشعرُ بنشوةٍ من الفَخْر حين أتذكّر أنني تخرّجت من كليّة الآداب في جامعة الكويت، لأنها اجتمع فيها علماء يضع لهم التاريخ جناحه. أنشأ قسم اللغة العربية أساتذة في اللغة والأدب، فمن الكويت عبد الله العتيبي وعبد الله المهنا، ومن خارجها شيخ المحققين عبد السلام هارون وترأَّسَ القسم، ودرستُ عند د. عبد الله الغزالي وكان درس عنده، يحدثنا عنه يقول: "قرّر علينا في مادة النحو حاشية الصبّان. وكان يأتي قبل المحاضرة فيأمر الخادم بأن يعدّ له شاي كُشري ويجهّز غليونه، حتى إذا انتهى بدأت المحاضرة." المادة التي درستها عند د. الغزالي هي (الأدب المملوكي والعثماني). كانت هذه الشُعبة من أعجب الشُعَب، كنّا أربعة طلبة وخمس عشْرة طالبة! قرّرَ علينا كتابه في الأدب المملوكي والعثماني، ولم يكن أحد من الطلبة يحسن القراءة السليمة غيري والشاعر رجا القحطاني، وطالبتَيْن لو شئتُ أن أسميهما لفعلت. أنا لا أحبّ هذا الأدب، كبيره وصغيره، ولم أكن أعترض، ولكن لا يظهر علي الطرب، فأذكر أننا درسنا مقامةً للا أدري من، وانتهت المحاضرة، فسألني الدكتور والطلبة يخرجون: "ما رأيك؟ ألم أثبت لكم أنه...

من ذكريات الجامعة

  من ذكريات الجامعة دخلتُ الجامعة أكبُرُ دفعتي بثلاث سنوات، وذلك أني حُصتُ حَيْصةً قبلَها، ودُرت حول نفسي كأنّي يوسف باحويرث في حلبات "ريدبول"، إلا أنني مُجبَر لا بطل، وهو بطل لا مُجبَر، فدخلت كليةَ التربية الأساسية، ثم حسّنتُ نسبتي في الثانوية لأدخل كليّة الآداب في جامعة الكويت. بداية جديدة في الجامعة، دخلتُها بنفسٍ قديمة تركن للكَسَل بلا دَعة، والتسويف بلا منفعة، وليس موضوعنا اجتهادي في الدراسة وإنما بعض الذكريات اللطيفة، والفوائد النادرة، ولعلها تكون سلسلة مقالات أو لا تكون؟ هذه هي المسألة. في مادّة (النقد العربي القديم) عند د. حمد بن عبيد العجمي، كانت طريقته أن نقرأ بابًا من كتاب محمد مندور (النقد المنهجي عند العرب) وما يقابله في كتاب لعيسى العاكوب نسيت اسمه، ثم نعود ونكتب تقريرًا على طريقة (استجابة القارئ)    وهو نقد يعتبر القارئَ مركزَ جدوى العمل المكتوب، فلا وجود لأي ادَعاءٍ يدّعيه الكاتب في عمله حتى يكون مُبرهنًا باستجابة قارئ النص على شكل هذا الادّعاء. عمومًا.. الأمر كان أبسط لأننا طلبةٌ لا نكاد نقيم تقريرًا مكتمل الأركان، فطلبُ (استجابة قارئ) أمر متفائل جدًا، فل...

هاجَر

هاجَر في أعوامي الأولى في كلية التربية الأساسية أخذت مادة (التربية الخاصة) عند الدكتور هاني القطان. في أوّل محاضرة أراد أن يختبرنا، أن يختبرَ الإبداع الذي عندنا، فرسم على اللوحة قوسًا مفتوحًا لأعلى، وقال: أكملوا هذه الرسمة. وبعد دقائق انتهينا، انقسم الطلبة بدءًا إلى ثلاثة أقسام: قسم بدأ مباشرة باستنباط رسمة من هذا القوس، وقسم ضحك وحاول التملص ولكنه رسم في النهاية، وقسم لم يحاول. بدأنا عرض رسماتنا، غلب على رسمات الطلبة رسم وجه يضحك، فقال الدكتور: من رسم وجهًا يضحك فهذا ليس عنده إبداع. ثم قدّم آخرون وهم أقلّ رسمات لمئذنة مسجد، وأرجوحة وغير ذلك، فقال: أنتم مبدعون، وهكذا نجد أنكم انقسمتم.. فرفعت يدي وقدمت له رسمتي، كانت مبخرًا! سألني في البداية: كيف؟ فقلت: إذا نظرت إليه من جانبه ستراه مقوّس الأعلى. فقال: بعضكم ليس له إبداع، وبعضكم مُبدع، وزميلكم هذا لديه أصالة! منذ تلك اللحظة وأنا أنمّي هذه الأصالة، فأحاول الخروج عن الأفكار الأولى التي تطرأ لي حين أكون بصدد عملٍ إبداعيّ، فأسمّي قناتي على اليتيوب: مداك العروس. وأترك تسميتها بمسميات الورق والكتابة وللحبر، كناشة مداد وغير ذلك، ثم أحتاج إنشاء ...

حوار مع حزين (قصة)

 حوار مع حزين بعثَ إلي برسالة أنه مستعدّ لمقابلتي في المقهى، كان عملي بسيطًا أنا باحثٌ في الحُزن، أقابل المحزونين، وأحاورهم، فيُخفّف الحوار من شعورهم، وأستفيد أنا من تحليلي وسماعي للحزن من أعماقه. دخلت المقهى ومعي ورقة وقلم، أتخفف من الحقائب والمراجع، يكفيني القلم والورقة، كان المقهى دون الصجيج، وفوق الهدوء، وصوت التبخير والطحن ترتفع من حين لآخر، وعبير القهوة يملأ المكان، والناس كلٌّ يعيش في عالمه؛ فهذا رجل على حاسوبه يضارب في الأسهم، وتلكم طالبتان تشتكيان من أستاذهم في الجامعة، ومراهق ينتظر أصحابه ويقضي وقته بتقليب الهاتف، وعامل المقهى يوصل القهوة إلى هذا وتلك، كلّهم تُنيرُهم الشمس المضيئة من الزجاج الأمامي. جلسنا وتبادلنا التحايا، طلبت قهوةً واكتفى بالماء. تكلمنا عن الطقس قليلًا كعادة افتتاح أي حوار بين اثنين، وذكر لي أنه في هذا الصباح تأمل نفسه أمام المرآة كثيرًا، فانتهزت الفرصة وسألته: قل لي إذن ما الذي شعرتَ به حين وقفتَ أمام المرآة؟ وقفتُ أمام المرآة أنظرُ إلى شُحوب وجهي، لم أكن هكذا، كنتُ مثالَ المرحِ، مثالَ الحياة، أجبرُ بحديثي القلوب المكسورة. قلت لي إنك شاعر، وهذا ظاهر.. ...