التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2025

الوِحدة

  الوحدة كنت أقرأ قديمًا عن الوحدة، وأن الوحدة هي شعورك بالانفصال عن محيطِك ثقافيًا، فربما يكون الإنسان جالسًا وحده وهو في شعور رائع، ويكون مع الناس ويشعر بالوحدة. هذا كله هُراء مَحْض، الإنسان المنعزل انعزالًا تامًا عن البشر ربما يشعر بحريّة في بداية انعزاله، ولكن ما يلبث أن تضيق عليه نفسه، فما يشعر بشيء، ويُغامُّ على ذهنه، فيشعر بعجز لا في جسده؛ بل في نفسه، فتخيل أن تكون النفس الوحيدة التي تتفاعل معها هي نفسُك، ومع ذلك تضيق ذرعًا بها وبأفكارِها السوداء. أنا مُعلّم كما تعلمون -معلّم وظيفةً لا قدوةً كالطنطاوي- كنتُ ضائق الذرع بالمدرسة خلال الفصل الثاني، لا بسبب الطلاب أو الزملاء، بل لأني لا أستطيع أخذ كفايةَ نومٍ، وإذا أخذت كفايةَ نوم لم يبق لي من يومي إلا سويعات أجاهد فيها التعب حتى يحين وقت النوم. فانتظرت العطلة انتظار أهل الغائب لإيابه، فلما نزلت بنا العطلة، أطعمتُها من ساعات أيامي ما لو كانت عشبًا لأربت على حاجة الفيل! ولكن لم أشعر أنني فقدت شيئًا مهمًا كان يملأ حياتي ويستجمّ به ذهني، وهو محادثة الزملاء والتفاعل مع الطلبة، فكان الأمر أن انتقلت من مقابلة خمسين إنسانًا في اليوم، إ...

كافكايَ غيرُ كافكاهمْ

 كافكايَ غيرُ كافكاهم قرأت لفرانز كافكا بعض رواياته الطويلة والقصيرة: رواية التحول، ورواية المحاكمة، وقصصًا قصيرة ترجمت بعضها كما رأيتم.. حقيقةً الحَقْل الذي يمشي فيه كافكا لا يعجبني من غيره، ولكن حينما أقرأ لكافكا أشعر أنني متقبل، كافكا يُبلّغك المعنى بوضوح، وهذه الفصاحة نادرة، لذلك لا أتقبل غيره يتحدث في هذه الأمور. حين يقول في رسالته إلى ميلينا: "لن تستطيعي البقاء بجانبي ليومين، أنا رخو أزحف على الأرض." العلة غريبة، ما معنى "رخو أزحف على الأرض" ؟ بكلّ عفوية فسّرها كافكا فقال بعد ذلك: "انطوائي كئيب متذمّر أنانيّ سوداويّ" فقوله: "رخو أزحف على الأرض" فيها مشاعر كثيرة جدًا من الكآبة واليأس من الحياة، والملل من النفس، ولوم النفس على ما أخطأت فيه وما لم تُخطئ. بعض المعاني التي أقرؤها عند كافكا، أجدني كتبت مثلها قديمًا، مثلًا في رسالته إلى ميلينا قال:  "لم أتمكن من أن أتذكّر وجهك، ولا تذكرت شيئًا من ملامحه بصورة واضحة، أذكرك فقط بينما كنتِ تبتعدين وسط مقاعد المقهى، هيئتك بصفة عامة، ثوبك… ما زلت أذكرهما." وقلت: وأُنسيتُ من فَقْدٍ ملامح وجهها...

ثلاثة طرق في إعداد الشاي

ثلاثة طرق في إعداد الشاي ارتأيتُ إثبات طُرُقي في إعداد الشاي، لكثرة ورود الأسئلة عن ذلك. لي مع الشاي طرائق في إعدادِه، طريقة الإعداد السهل، وقد أصبحت الأصل في الأيام الأخيرة، لأن تحصّل الشاي العالي صعب، فاعتمدتُ شاي سيلان الموسوم بـ op1 ومعناه في تقويم الشاي السيلاني أن أوراق الشاي كاملة، ورقم 1 معناه جودة أعلى، هذا النوع من الشاي هو ألذّ ما يمكن في الشاي التجاري، لأن أوراق الشاي إذا سحقت أو كسرت زادت سرعة استخلاصها، فنصبح قلقًا أن يمررَ الشاي إذا تأخرت في عزل أوراقه عن مائه. أخذ ملعقة من هذا النوع، وأضعها في كوب، وأسكب عليها ماءً مغليًا، وأغطيها خمس دقائق. التغطية مهمة للمحافظة على غِنى النكهة. الطريقة الثانية عندما يكون عندي شاي عالٍ، كشاي مي شانغ، أو 24k أو نوع جيد من شاي الأولونغ فإني في حال كان شايًا أحمر فالماء مغليّ، وآخذ نصف ملعقة وأضعها في غاي وان أو ييشينغ (إبريق من الطين الأحمر) ثم أصب الماء فيه وأنتظر 30 ثانية وأسكب الشاي، السكبة الأولى لا تشرب، هذه لتفتّح الأوراق فقط، ثم السكبة الثانية 45 ثانية، ولا أغير الأوراق، وهذه تشرب، والثالثة 1 دقيقة و15 ثانية. أما إذا كان الشاي أخض...

جَميلة

جَميلة لو سألتني يا أخي عن جمالها، فربّما اجتلبَتْ العينُ بما ترى من جمالٍ حُبًا معلقًا بهذه العلة، علةَ الجمال، ثم سيُقال: لا تفرح، سيأتي يوم تعفو على هذا الجمالِ رياح السنين، حتى تُعيدَه غُبرةً لا شيء فيها. صدق من قال ذلك لو قاله، غير أنها ليست جميلة! نعم، قد عشتُ حياتي محللًا للجمال، سامعًا كلام الناس في تشكيله واختياره، وإن كانت معرفة الجمالِ تختلف بين عين وعين؛ إلا أن الذوق العامّ يجول في ميدان لا يخرج عنه، وهي ليست في ذلك الميدان! إذن أنا أعلم أنها "عقلًا" ليست جميلة، لا لا.. الأمرُ ليس كَذا، إنها جميلة، بل بارعة، تبهرُ حتى يذهل القلبُ عمّا حوله! تخيل لو ظهرت الملائكة لحظةً لرجل، ثم قيل له صف جمال الملائكة، أكان يستطيع؟ وكيف يوصَف ما لا يُقاس عليه شيء فنقول كأنه كذا وكذا!؟ لا أعلم كيف أصف جمالها، جمال فوق الوصف، غريب أصيل، لا تُشبه بقية النساء، كأنّ كأس الحُسنِ مترعةً تتهادى حتى صُبّت عليها صبًا، فكان أجمل من القمر ليلة البدر، وأجمل منه حين يتغشاه السحاب فيُنير شيئًا قليلًا خلاله، أجمل من الشمس في صباح شاتٍ، أجمل من الندى على ثغر زهرة تُسلمُهُ إلى دمث تراب قطرةً قطرةً. ...