الوحدة كنت أقرأ قديمًا عن الوحدة، وأن الوحدة هي شعورك بالانفصال عن محيطِك ثقافيًا، فربما يكون الإنسان جالسًا وحده وهو في شعور رائع، ويكون مع الناس ويشعر بالوحدة. هذا كله هُراء مَحْض، الإنسان المنعزل انعزالًا تامًا عن البشر ربما يشعر بحريّة في بداية انعزاله، ولكن ما يلبث أن تضيق عليه نفسه، فما يشعر بشيء، ويُغامُّ على ذهنه، فيشعر بعجز لا في جسده؛ بل في نفسه، فتخيل أن تكون النفس الوحيدة التي تتفاعل معها هي نفسُك، ومع ذلك تضيق ذرعًا بها وبأفكارِها السوداء. أنا مُعلّم كما تعلمون -معلّم وظيفةً لا قدوةً كالطنطاوي- كنتُ ضائق الذرع بالمدرسة خلال الفصل الثاني، لا بسبب الطلاب أو الزملاء، بل لأني لا أستطيع أخذ كفايةَ نومٍ، وإذا أخذت كفايةَ نوم لم يبق لي من يومي إلا سويعات أجاهد فيها التعب حتى يحين وقت النوم. فانتظرت العطلة انتظار أهل الغائب لإيابه، فلما نزلت بنا العطلة، أطعمتُها من ساعات أيامي ما لو كانت عشبًا لأربت على حاجة الفيل! ولكن لم أشعر أنني فقدت شيئًا مهمًا كان يملأ حياتي ويستجمّ به ذهني، وهو محادثة الزملاء والتفاعل مع الطلبة، فكان الأمر أن انتقلت من مقابلة خمسين إنسانًا في اليوم، إ...