الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

رسائلي إليها (٦)

 رسائلي إليها (٦) 

٢٣ ديسمبر

عزيزتي،

بَعُدَ عهدي بآخر رسالة، لم تخمد نار الشوق، ولكن أوهىٰ مِعصمي أن يكتب إليكِ علمي أن هذه الرسائل لن تصل، هي رهينة المحبسين.. قلبي ودرج المكتب، لا فرق إن كتبتُها أو كتمتُها.


هذا الفراقُ.. فراق التسعةِ أشهر، كان أولُها تشاغل، وأوسطُها تَصابُرُ، وآخرُها جَزَع. هكذا، وإن امرءًا يبتسم بعد ذلك لجَليد، فابغي ليَ الحُسنىٰ بوَصْلٍ يسقي ذوابلَ نفسي، فنفحةٌ منكِ تُحيي بساتينَ الحياة فيها.


عزيزتي.. في أحلك زوايا غُرفتي ظُلمةً، غصصتُ بذكرىٰ عابرة في حِساب الأيام، راكزةً في نفسي أبدًا، لقد أرِقتُ وما همّي سواك، فسلّمَ اللهُ وجهَكِ الأنور الأزهر، وقلبَكِ الميمون الأطهرَ، أحبّك.. وأحبّ أني أحبك.


أكتبُ إليك والفجرُ مُطِلٌّ بتباشيرِهِ، وعُقَدُ الغمام محلولة عن مَطَرٍ لطيف، كنتِ أولَ خاطر، فجرتْ دعوة باسمك إلى السماء، لتكون على قلبِكَ ألطف من هذا المطر.


قبل أيام كنت أمشي في بستان، وقد ظللتني شَجَراتٌ ألقت عليّ شُعاعَ الشمسِ كليلًا، قِطعًا خافتةً كفتائل قاربت غرقها في شموعها، وهبّ النسيم عليلًا على السنابل، فهزت رؤوسَها شَجىٰ، وعلى الماء فاضطربَ كأنّه مُجهِشٌ يُمانِعُ عَبْرَتَه.. وددتُ حينَها لو كنتِ معي، لأمسك يدَكِ، فأقبّلها، وأفدّيها، ثمّ أضعها على كبدي فيسكن رَجفانُها، وعلى قلبي فيهدأ خفقانُه، وعلى عيني فتبرد، ليتك معي.


أ.س

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

رسائلي إليها (٥)

 رسائلي إليها (٥)

هذه رسالة أرّخها العاشق بتاريخ ١١ أغسطس، وتظهر فيها رشاقة قلمه الأدبية:


عزيزتي،


كم بيننا من قُرىٰ وجُدُر، وقومٍ نُكُر، مستزئرينَ أن يفرّقُوا بين المرء وإلفِه، مستأملينَ أن يودي حَتْفَ أنفِه، لو استطاعوا داخلوا نفسَهُ فأتلفوا حُشاشاتِه، يؤذيهم رَسيسُ الحُبّ وقد رأوا تساقُطَ أوراقِه، ويَغيظهم شعشعانُ نورِهِ بين فُرُجاتِ الكَمَد، يتفرّسونَ فيه لَحْنًا يهديهم، وسَقطةً تعدلُ رأيهم، وهو يتجلّد ويتجلّد، فيحبسُ دون الشامتينَ مَصونَ دمعه، ويبتسمُ والحُزْنُ ينهشُ بين كبده وقلبه، حتى إذا هدأت الأصوات، وأسدلَ الليل ستائر السكون، وهدهدت السماءُ الأرضَ؛ اختنق بعبرتِه، وخفقَ قلبُه، ونطقَ باسمِكِ هامسًا، ثم نطق به مرةً أخرىٰ، وما زال يعاودُ ذلك بين كلّ شهقتَين، حتى يغلبَهُ البكاء، ويُسكته النحيب.


أنا كثير التأمّل والتفكّر، كثير التحليل كما يُقال، كلّ بابٍ أدخلُهُ يخلُصُ بي إلى غيرِه، قضيتُ حياتي هكذا، وعندما بلغتُ باب الحُبّ، وقفتُ أمامَهُ لحظة، هي لَحْظة في العُمُر، سَنةٌ في الشعور. وأخَذَتْ الأفكار تَوالىٰ عليّ، كأنّي ممسكٌ كتابًا تُقلّبُ الريح صفحاتِه، تقلّبُها بسرعة، وعيني تلقط جملةً ثم تُقلب الصفحة، فتلقطُ جملةً أخرى فتقلب؛ وهكذا على غير اتساق، أو كأني أمشي على طبقات أرض هشة، فكلما وقعتُ على أرض انخسفت بي إلى غيرها، فقبضتُ على مقبض الباب فإذا هو دافئ، كأنّي قد فتحته من قبل، ثم دخلتُ، وألقيتُ عصا الترحال، ووالله ما في نفسي التحوّل عن هواكِ إلى هوىٰ سواك، ولا لعيني نفاذُ في جمال لم يكن له حظ منك.


أديري ناعستَيْكِ في صفحة الليل؛ لتَرَيْ نبض أشواقي في نجومِه، يا جمالًا رأته عيني مرة؛ فوعاه قلبي إلى الأبد. 


وسلامٌ على ذلك القلب المَخْموم، ورحمة الله على تلك الروحِ الطاهرة، وبركاتُه على ما طيّبَ الأردان.


متيّمك

أ. س.

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

رسائلي إليها (٤)

 رسائلي إليها (٤)

هاتان رسالتان من رسائل أ.س في الأولى تظهر حيرته، والفاته إلى نفسه وفي الثانية تظهر بوادر يأسه من حياته، ولذلك فصلهمها إذ كتبهما في يومين متتالين.

-

١٣ سبتمبر

عزيزتي،


تذكّرتُكِ.. وما أكثر ما أتذكرُ شعوري الأول، شعوري المتردد عندما رأيتك أول مرة، والذي بقي مترددًا حتى انقطع اجتماعنا اليومي، فبتّ متحسرًا أنني لم ألتفت لهذا الشعور المتردد.


لو كنتُ أطعتُ قلبي مرةً فيما يُحِبّ، كيف ستكون حياتي؟ لقد أهلكتُ قُوايَ بالتعقّل المفرط، والحذر المستريب، حتى خرجتُ خاسرًا في كل معاركي، الهارب من معاركه خاسرٌ حيّ، وهو أسوأ ممن حاول.


أنا أحبّك.. ولم يبقَ في يدي خيطٌ أتوصل به إليك، أغلقت دوني السبل، ووضعت السدود، وهذه السدود لا تزداد إلا غلظًا، لا أحب هذا الموقف، أنا حائر لا أدري ماذا أصنع، متوقف بين إقدام وإحجام، وشد وإرخاء، وعزم ونكوص، أريد إشارة منك تجعلني أندفع اندفاع نهرٍ أزيلت من أمامه صخرة حالت دون جريانه.


رسائلي بدأت تتقلص، وبدأت تلبس لغة بيضاء لا فن فيها، لم تعد نفسي تحتمل توليد المعاني وإسباغ الألفاظ الرائقة، ملّت كل شيء.. تركت كل شيء.. إلا حبك! والله لا أدري ما الذي يغذيه، ولكنه قوي جدًا لم تنفصم منه عُروة، ولا انحلت عقدة.


مُحبك المشتاق

أ.س

-

١٤ سبتمبر

عزيزتي،


ما لي أرىٰ كل عاشقٍ نالَ حظوةً عند معشوقه، وحاز رضاه، وقرّ به عينًا؛ وأنا كل يوم أتقطعُ حبًا، وأتضرم شوقًا، ثم لا يكون منك شيء؟ إني لأشك بذلك اليوم الذي كشفتُ لك فيه عن مكنون قلبي، هل كانت تلك المحادثة فعلًا؟ هل محادثتي لك في شهر نوفمبر قبل سنتين كانت حقيقة؟ عندما وصفت لك نفسي فقلت لي: أنت ذلك الأسمر؟ نعم أنا ذلك الأسمر، وأحسبني ازددت اسمرارًا للذي لقيتُه من غم وهمّ يغدوان علي ويروحان تحدوهما شدة التفكير بك وبحبك الذي أغلق عيني عن كل لذائذ الدنيا.


والله إني أبحث كما يبحث منتقش الإبرة من الأرض عن كل صورة تشبهك، وكل شيء له علاقة بك،  لعلي أهدأ قليلًا.. ولكن ذلك لا ينفع!


أنا لا أطيق، ولا صبر عندي، لا أدري كيف صبرت على هذا الشيء الذي أستحي أن أسميه حُبًا!


لن أنويَ السلوّ، كما لم أنو الحبّ، متى ملكتُ زمام نفسي أصلًا ؟! 


مع السلامة


أ.س

الأحد، 19 أكتوبر 2025

قاعدة في فهم الشعر

 قاعدة في فهم الشعر

في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه.

لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه.

وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم.

وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم.

فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير:

فغض الطرف إنك من نُمير

فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا

فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن هذا البيت. ودلّني ذلك إلى المغالبة في الهجاء، فهي أن يقول الشاعر بيتًا فخرًا أو هجاءً فينقضه عليه خصمه، فإذا لم يستطع نقض الهجاء غُلِب. ورأيت أن الفرزدق وجرير ما زالا يتعاركان ولا يهتدي أحدهما إلى الإحاطة بصاحبه حتى يغلبه. فكان هذا الفهم الذي هداني إليه ربي فاتحةً لفهم كثير من الشعر.

فمما أخبروا أن ليلى الأخيلية غلبت النابغة الجعدي، استنكرت ذلك وأكبرته، ولكن سلّمت به، وعرفت العلة بعد ذلك حين فهمت تغليب جرير، فقد فعلت ليلى مثل ما فعله جرير، ولكن ردها كان نقضًا لقول النابغة:

ألا حييا ليلى وقولا لها هلا

فقد ركبت أيرًا أغرّ مُحجّلا

هلا كلمة تُهدّأ بها الفَرَس عند الضراب، فقالت ليلى:

تُعيّرني داءً بأمك مثله؟

وأي حَصان لا يُقال لها هلا؟

فكان ردّها أن الحصان غير المعتادة ستكون خائفة فسيُحاول أهلها تهدِأتَها، فجعلت النابغة بين نارين، إما أن يقول أن أمه لا يُقال لها هلا وهذا معناه أنها ليست بحصان، أو يُقرّ بذلك فيعود قوله الأول على أمه كما هو على ليلى! فسكت عن الثنتين كما سكت الراعي، فغلبته ليلى.

مَظهَر أخير من توقير كلام السلف وعدم معارضتهم؛ أني قرأت خبرًا أن الأصمعي قرأ شعر الحطيئة على أبي عمرو، فبلغ قوله:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

أي خدعتني وزعمت أنك صاحب لبن وتمر، فصحّف الأصمعي فقرأها:

وغررتني وزعمتَ أنك

لا تَني بالضيفِ تامُر

أي خدعتني وزعمت أنك لا تفتر عن الأمر بإكرام الضيف. وتصحيف الأصمعي منطقي، لأن رسم (لابن) كرسم (لاتن) فقال أبو عمرو: تصحيفك أحسن من بيت الحطيئة. فاستنكرت أن يكون تصحيف للأصمعي أشرفَ من بيت للحطيئة، وبعد وقت قرأت قصيدة الحطيئة، ووجدت أن البيت لوحده هكذا سيكون نعم تصحيف الأصمعي أشرف وأحسن من بيت الحطيئة، لأن فيه شكوى، ولكن البيت مع ما بعده أفضل وأحسن وأعلى،  ويحول المعنى من الشكوى إلى الاستهزاء ، قال الحطيئة:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

ولقد صدقتَ فهل خشيتَ

بأن تدور بك الدوائر

فكذّبه أولًا، ثم صدّقه وقرن تصديقه بوصفه بالبخل، وحاصره، فصدق الإمام أبو عمرو وأحسن الأصمعي وأحسن الحطيئة.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

تِتْرِس Tetris

تِتْرِس Tetris

لو سئلتُ سؤالًا غير السؤال المعتاد: "من أفضل شاعر عندك؟" وقيل لي: "ما أفضل لعبة فيديو عندك؟" لكانت إجابتي أكثر طرافة: Tetris.

لا يمكن أن تجد إنسانًا لم يلعب تيترس، هذه اللعبة موجودة على كل جهاز يعمل بالبرامج؛ الحواسيب وأجهزة ألعاب الفيديو، والهواتف، وشاشات التلفاز، وتستطيع وضعها حتى في الميكرويف!

قصة تطوير اللعبة بدأت حين كان مهندس برمجة يريدُ اختبار شيء في حاسوبه، حدث ذلك عام ١٩٨٥م في الاتحاد السوفييتي، والمهندس هو ألكسي باجيتنوف.

جلس ألكسي أمام حاسوبه (إلكترونيكا ٦٠) وحاول اختبار شيء فيه، وكان قبلها اشترى لعبة بينتومينو، وهي لعبة فيها قطع ملونة، ترتبها في محيط معين، على شكل مطلوب منك. فقال: لم لا أطور لعبة تختبر الحاسوب بفكرة أبسّطُها من البينتومينو. فقلل أشكالها من ١٨ شكلًا إلى سبعة، وكل شكل عبارة عن ٤ مربعات متلصقة، مقلّبة بكل شكل ممكن، ولأن مادّتها من أربع مربعات صار اسم اللعبة «تيترا» وهي كلمة يونيانية تعني أربعة، ورياضة: التنس! ما علاقتها بالتنس؟ لأن باجيتنوف كان يحب هذه الرياضة، فصار اسم اللعبة: تيترس Tetris.

اللعبة فيها سبعة أشكال سأصفها لك باعتبار أنك لا تعرفها، وأنك تقرأ المقالة في جزيرة معزولة في المحيط الهادي ولا تستطيع البحث عن صورة لها:

الشكل الأول: أربعة مربعات متراكبة، فتنشئ عصًا. ولونه سماويّ.

الشكل الثاني: تأخذ مربعًا وتجعله يمين المربع الثاني، فيكون شبه منجَل. ولونه أزرق.

الشكل الثالث: كالثاني ولكنّه إلى اليسار. ولونه برتقالي.

الشكل الرابع: مربعات منضمّة، فتشكّل مربعًا متوازيًا. ولونه أصفر.

الشكل الخامس: تقسم الشكل الأول في المنتصف، فيتحصّل عندك مربعين مربعين، فتلصقهما بمقدار مربع واحد يمينًا، شبه شكل برق أو حرف z. ولونه أخضر.

الشكل السادس: عكس الخامس. ولونه أحمر.

الشكل السابع: وهو أيقونة اللعبة، والشكل الذي يحل أزمات الترتيب، ثلاث مربعات، يعلو مربعها الأوسط مربعٌ. ولونه بنفسجي.

هذه الأشكال السبعة تَساقطُ متواترةً بعشوائية في مستطيل وعلى اللاعب أن يرتّبها، وينشئ من مربعاتها خطوطًا أفقية، كلّ خطّ يُكسبك نقاطًا، ولديك خيارين: تدويرها، وحفظها.

التدوير: يحصُل لك به أواع تساعدك على ترتيب الأشكال.

والحفظ: يجعلك تحتفظ بالمهم، أو تستبدل عوضَها شكلًا جديدًا، ثم تعود للذي حفظته في وقت آخر، والحفظ تستعمله مرة واحد عندما يسقط شكل، مثلًا؛ سقط الشكل الاول، حفظته، سقط بعده الرابع، لا تستطيع حفظه الان، يجب أن تضعه، ثم سقط الشكل الثاني، الان تستطيع استبداله بالمحفوظ، وتستطيع لعبه، فكتى احتجت للمحفوظ تلعبه، وهكذا.

تحصيل النقاط كما قلنا بترتيب الأشكال بحيث يكون خطٌّ أفق، فإذا استطعت تكوين خطّين بضربة واحدة فجائزتك أكبر، وثلاث خطوط أكبر، والجائزة الكبرى تكون بأربعة خطوط ضربةً واحدة، وهذه يسمونها «تيترس»، ولا تكون إلا بأن ترتب الأشكال وتترك مقدار مربّع فراغًا، وتبني الخط الثاني وتترك له نفس الفراغ، والثالث والرابع، فبذلك يصلح أن تدخل فيه العصا فتكون أربعة خطوط دفعةً واحدة.

وكان باجيتنوف يشعر بشعور مريح عند لعب اللعبة التي أنشأها، وبالأخص حين يصيب التيترس، وهو شعور رائع جدًا فعلًا!

اللعبة ثاني أكبر الألعاب مبيعًا في التاريخ، وليس فوقها إلا ماريو بسلاسله الكثيرة، أما تيترس فلا تصلح بغير هذه القوانين وهذه الأعداد من الأشكال والمربعات، وهي تتكرر منذ أربعين عامًا، مع ذلك هي ثاني أعلى لعبة مبيعًا.

***

أدمنتُها فترةً من عمري، وكنت أبدأ بها يومي، هي كأنها تمارين استطالة للمخ، تنشّطه، وتطوّر كفاءته في اتخاذ القرار السريع المناسب، وتطور تخيله لمآل الاختيار، وتطوّر حس الترتيب عند المرء.

وهذه الأمور العامة تنعكس على الحياة، فمثلًا لو أدمنت اللعبة ثم كُلفت بترتيب مائدة ستجد نفسك سريع الترتيب مع توازن ودقة في توزيع الأطباق، هذا تأثير مباشر.

كنت أظن التأثير تأثيرًا عارضًا، فسمعت أنهم درسوه أكاديميًا فوجدوا لها تحسينًا لما سمّوه: الإدراك المكاني.

بحثت عن هذا الإدراك فوجدته قائمة على قوة الخيال، فتستطيع أن تعرف الاتجاهات، وتتخيل شكل ترتيب غرفة من غير تحريك شيء فعليًا، كله يحدث في ذهنك. وله مستوى أعلى يكون إدراك الذهن في فضاء، أي إدراك ثُلاثي الأبعاد. إدراك الشمال والشرق والغرب والجنوب، وإدراك الفوق والتحت، وإدراك ما بين هذه، فوق شمال شرقي، تحت جنوب غربي، وهكذا.

ويبدو لي هذا الإدراك متجليًا فيمن يعرف القبلة من غير أن يُدَلّ عليها، أو من يركن سيارته وينزل للسوق، فمهما التفّ وصعد ونزل، يعرف جهة سيّارته، هذه أمور تقوّيها في الذهن.

ومما يعني على تعطيل الإدراك كثرة استعمال البوصلات، وبرامج الخرائط، حتى يُصبح المرء ولا يستطيع العودة إلى بيته من غير برنامج الخرائط.

**

لعبة تيترس Tetris أجمل لعبة لعبتها، ولها إصدرات بعدد نجوم السماء، ولكنّها إصدارات شكلية، لا تغير في قوانين اللعبة، لأنك إذا غيرت فيها تغييرًا مهما كان صغيرًا سيفسدها، فهي قائمة على منطق رياضيّ لا يختلّ بالتغيير.

الأحد، 21 سبتمبر 2025

رسائلي إليها (٣)

رسائلي إليها (٣)

يبدو أنني سأطيل عرض هذه الرسائل إذا غدوتُ أحلّلُها في كلّ مرة، لذلك قررتُ مذ اليوم أن أكتفي بنشرها تِباعًا، وأعلّق أحيانًا إذا نشأ عندي تأمّل ما. ولكن قبل أن أبدأ أريد أن أنبّه على بعض الأمور:

ظنّ صديقٌ لي ممن تابعَ الرسائل أنني مُتحايلٌ على القراء الأعزاء، وأن هذه الرسائل من كتابتي وليست من كتابة إنسان غيري، فاعلموا أن ظنّ صديقي غير صحيح، هذه الرسائل منسوبة إلى صاحبها أ.س.

لا أخفيكم أنّ أسلوب هذا الأديب العاشق أ.س. قد مازجَ نفسي فظهرَ بعضُه في أسلوب كتابتي، ولعلّ ذلك ما قذفَ في رُوع صديقي الظنّ الذي ظنّه.

سأحاول الالتزام بنشر رسالة واحدة في كلّ مقالة، وإذا كانت قصيرة سأنشر رسالتين في مقالة واحدة.

ثمَّ ورقة من الحجم الكبير مليئة بالعبارات الجميلة، ليست رسالة وإنما أشبه بمسودة لجمل يكتبها متتابعة على غير نسق، سأجعلها بعد نشر الرسائل.

أترككم مع رسالتين للأديب العاشق أ.س. 

-

عزيزتي،

هل أصبح حبي مبتذلًا؟ لا، لم يكن ولن يكون، ولا كلمة الحبّ بالتي تَبلى إذا كنتِ ضميرَها، أحبّك، أحبّك حتى ينقطع الصوت، أحبك حتى تخور القوى، أحبك إلى أن يقولوا: رحمه الله كان يحبها.

لا أفكر بالسؤال المشهور: هل الحب اختيار أم اضطرار؟ لأني في كلا الحالتين سأكون أحبك.

لم أترك لأحد خيارًا، كلهم مجمعون على أني مجنون، ألا فليُجمعوا! لم أُجنّ لأن فريقي خسر مباراةً، أو لأن سيارتي خُدشت، أو لأن طعامي لم يُتخمني، بل جُننتُ لأنّي أحبك، وما هذا بجنون، ولكنهم لا يعقلون! فإن رقّوا قالوا: مُوَسوسٌ موهوم! وما أصنع بحقيقة لا أتوهّم جمالَها؟ وكيف أنفكّ عن وهمٍ أجد جمالَه حقيقة؟ أكنت في حُلُمٍ دائم، أو واقع موهوم؛ أحبك ولا أحبهم.

أكثرت من ذكر الناس في هذه الرسالة، لقد أغاظني منهم ما سطرته فيها، لا أريد أن أغمك، ولكني أجد الحب اندماج الروحين، وانتظام النبضين، فما أفضيتُ بما يسوؤني إلا إلى نفسي فيك، ولا استبهجتُكِ يومًا بما يسرّني إلا لأسرّك فأُسَر، أنتِ أنا، وأنا أنتِ.


مَنْ يهواكِ دون البشر: أ. س.

-

أودّ أن أعلّق؛ يبدو لي أن أ.س. يعيشُ كثيرًا مع أفكارِه، هو يتخيّل أن الناس اعترضوا طريقه، هم سيفعلون لو أظهر هذه المشاعر، فسبقهم بالردّ قبل أن يبدرون باللوم.

حسنًا.. ترددت في نشر الرسالة التالية، وقلتُ لعلّي أنشر التي بعدَها أولًا، لأنها طويلة قليلًا، ولكن لا بأس.. سألتزم بالتسلسل.

-

عزيزتي،


ها قد مضت سبعةُ شُهور من هذه السنة الغريبة، لا أدري كيف استطعت الصمودَ بلا صُدفة تُحيي رميم عظامي، بلا نظرةٍ تجعلُ لكشحيّ جناحَيْ حُبورٍ أحلّق بهما ولو كان الناس يرَوْنني أمشي على الأرض.


لم أنسَكِ لحظةً، أنّىٰ وأنتِ حاضرةٌ بين كلّ نبضتَين، نبضة تنطقُ بأول حرفَين من اسمك، ونبضة تختمُ بآخر حرفين.


أنتِ الجمال الذي أنتظرُ تنفُّسَهُ في هذه الحياة، وأنت النّدىٰ الذي يبللُ أطرافَ الأزهار فنعلم أنها تبتسم، وأنت النسيم الذي يُناغمُ حقلَ الأرزّ فيتراقصُ ظلّه الذي أطالته الشمس الجانحة للمغيب، أنت اللونُ النقيّ الذي يجمع تناقض الألوان، فيُظهرُ ألا شيء فيه، وفيه كلّ شيء.


في صحراء لا يرىٰ أولها من آخرِها، تغرقُ في سرابِها الجبال، وتهلك في شِعابِها الضباب، وتفنى في وديانِها الأطلاح، لا يكاد سالكُها يصدّق أنه في الدنيا، صحراء يأس مُطبِق، إلا أن لكل إطباق يأس أمل وامض، وأملُها واحة يُحدّثُ عنها الناس ولا يعلمونها، واحةٌ تحفّها كثبان الرمال، وتفترش فيها النجوم، ويتأيّكُ الشجر، وينحني النخيل بأضغاثٍ تحمل رُطبًا؛ وكأنها أيدٍ تختَّمت بالعقيق، وفي وسطها ماء عذبٌ بارد، يسري في الأجساد سريان البرء في الأسقام، يكادُ شاربه لا يظمأ أبدا، فظل ظليل، ونسيم عليل.. وفيها فتاةٌ واحدة تمتشط، وتبتسمُ للجمال بالجمال، هذه الصحراء وواحتها قلبي الذي ما حلّ فيه سواكِ.


لم أكن أحسبُ أن يتفقَ قلبي وعقلي، حتى اتفقا على حُبّكِ، اتّفقا كما تُسلِم الأرضُ ماءَها بُخارًا إلى السماء، وكما ينزاحُ الليلُ برِفْقٍ ليحلّ مكانه النهار، هكذا .. بلا صخبٍ.


عزيزتي.. أختم رسالتي بتحيّتي إليكِ تحملُها تلك النجمة الخَجْلى في ومضاتِها الخافتة.


مُحيّيكِ بالحُسنى: أ.س.

الخميس، 18 سبتمبر 2025

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال

كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل).

عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-:

لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا

إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان:

لعمري لئن كانت بجيلةُ زانَها

جريرٌ لقد أخزى كُليبًا جريرُها

يعني الصحابي جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه كان زينةً لقبيلته بجيلة، وجرير الشاعر خزاةً لكليب بن يربوع، ظن غسان أنه أغلق المعنى على جرير، فجعله بمواجهة مع الصحابي الجليل، ولكنه أخطأ إذ لم يجعلها مقارنةً صريحةً، وجرير العبقري لا يخضع تحت ضغط هذه المغالطة، فقد ردّ على شأنه، ولم يتعرض للصحابي الكريم، بل نصب سليطًا، وجعلها تدافع عن نفسها كما تدافع الخِربان، وكأنه يعني هنا غسانًا نفسَه هو آلة دفاعها، فقال جرير ينقض البيت:

بأستاهها ترمي سليطٌ وتَتّقي

ويرمي نضالًا عن كُليب جريرُها

واستمرّا هكذا حتى صار جرير يفتل ويهجو، ولا يستطيع غسان أن يُجيبه، وخبت جمرة غسان السليطي، ونُسي.

وصارَ جريرٌ وبالًا على الشعراء طوال حياته، لا يهاجيه أحد إلا سحقَه سحقًا، إلا ثلاثة ما غلبهم ولا غلبوه: الفرزدق، والأخطل، وعُمَر بن لجأ، أما الأولان فهما فحول يوازونه في الجودة، وأما عُمَر بن لجأ فهذا الذي وَضعَ الله به رفعة جرير، وقد قال النبي ﷺ حين سُبقت ناقته فشقّ ذلك على أصحابه: (حقّ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعَه) فكان عُمَر بن لجأ وهو شاعر مغمور، دخل في هجاء جرير، وما استطاع جرير أن يغلبه، وسُئل جرير عن هذا فقال: لم أجد مجدًا فأهدمَه! كان ذلك من حظّ عمر بن لجأ أن رهطَه كانوا قرويين لم يخوضوا حروبًا، فلم يجد جرير في تاريخهم شيئًا يعيّرهم به، أما عمر بن لجأ فكان يسرح ويمرح في تاريخ كليب بن يربوع، فهو تاريخ عريق من البطولات والحروب، وكلّ قبيلة تدخل في حروب فلا بدّ لها من هزائم وانتصارات، والهزائم أكبر أبواب الهجاء، قتلنا فلانًا ولم تفعلوا شيئًا، وقتل في جواركم فلان ولم تفعلوا شيئًا، لولا عزهم ما استجار بهم أحد، ولكن لا بد من هذه الأخطاء التي يستغلها المتهاجون.

وجرير لم يكن  يستطيع أن يسحق تميميًا، لأنه تميمي، ولكن إذا كان ضعيفًا فيخنقه، كما حدث مع غسان السليطي والبعيث، لم يدمّرهم بهجاء القبائل والتعيير بالأيام، بل دمّرهم لأنهم لم يستطيعوا مجاراته، وهجاء قوم من قبيلتك من أصعب أبواب الهجاء، ولولا أن الله أيّد حسان بن ثابت بجبريل عليه السلام ما استطاع أن يهجوَ قريشًا ويتجنّب ذكر كل ما يتصل بالنبي ﷺ من فروع وأصول، هذه تحتاج أن تكون فحلًا كحسّان، ويؤازرك علامة في النسب كأبي بكر ويؤيدك روح القدُس!

من أمتَع أبواب الشعر بابُ النقائض، فالإمتاعُ في قراءة قصيدتين متعلقتي المعاني ببعضهما بعضًا إمتاعٌ قلّ نظيره. والنقائض كاسمها قائمةٌ على النقضِ وهو ضدّ الإبرام والفَتْل، فيقول جريرٌ قصيدةً يفتل فيها معانيَ الهجاء والفخر، فيقوم الفرزدق ويقول قصيدةً تنقضُ هذه المعاني، وتنتهي المعركة هكذا بالتعادل، وقد عاش جرير والفرزدق حياتهما كلٌّ ينقض على الآخر، وما استطاع أحدُهما أن يأتيَ بمعنى لم يستطع صاحبُه أن ينقضَه، ولو حدث ذلك لغُلّبَ أحدهما على الآخر ولكن ذلك لم يحدث حتى مات الفرزدق قبل جرير ورثاه جرير.

أما الذين غلبهم جرير فكثير، منهم غسّان السليطي، وسراقة البارقي، والبعيث، والعباس بن يزيد الكندي، هذا الأخير دخل في هجاء جرير في أسوأ وقت تعادي فيه جريرًا، وذلك حين هجا الراعي النميري، والكندي هذا ليس له ناقة ولا جمل، ولكنه لم يكن موفقًا، فجاء ونقض بيتت جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميم

حسبت الناس كلهم غضابا

فجاءت كندة تطلب من جرير ألا يذكرهم، فقال لهم: إن كنتم صادقين فاذكروا لي مثالبه. ذلك ليهجوَه ولا يتعرّض لكندة، ففعلوا ذلك، فهجاه هجاءً شديدًا على نفس قافيته البائية، وكان يسمي قافية الباء: المنصورة. وفي الأبيات ذكر فضيحةً تطعن في نسب العباس بن يزيد، لا يعلمها إلا هو ورهطه، فلما بلغته الأبيات مات من الكَمَد!

ومنهم وهو أشهر من سحقهم ومحقهم وأشعرهم؛ راعي الإبل النميري، وكان شاعرًا فحلًا، وهو رابع أربعة في الطبقة الأولى عند ابن سلّام: جرير، والفرزدق، والأخطل، والراعي.

الراعي النميري ليس ضعيفًا، ولكنّ جريرًا أتاه ببيتٍ واحد في قصيدة قِوامُها ثمانون بيتًا، كلّها يسيرة على الراعي، ولكن بيتًا واحدًا لم يستطع الراعي نقضه، فغُلِب، وانهار صرحُ شاعر مُضَر، وصارت بنو نُمير تُعيّر به، وهو قوله المشهور:

فغُضَّ الطرفَ إنك من نُمَيرٍ

فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا

يا لهذا البيت! ويا لجرير ما أخبثَ شيطانَه! كيف أتى به محكّكًا هكذا!

الشرّ الكامن في هذا البيت أنّه مدّ إليه طَبَقين أحلاهما مُرٌّ مَقِرّ: إما أن تتعالى على أبناء عمومتكم كلب وكعب، وفي ذلك فساد عظيم، فكما قلنا إن الراعي النميري كان شاعر مضر غير منازع، وأن يفخر بقومه على أبناء عمومتهم فهذا سيشعل فتيل فتنةٍ لا يِطفؤها شيء، وجرير لغضبه وحضور الشيطان لم يكن لديه أدنى إشكال في أن يُشعل فتنةً وحربًا بين هذه الأحياء الثلاثة! وإما أن يسكت ويُنهي حياتَه الشعرية بيده، ويغلبه جرير شرّ غِلبة، وهذا ما فعله الشيخُ الحكيم، ومات غمًا بعدها في ذات السنة!

لم يكن جريرٌ ظالمًا ابتداءً، وكان يعذر ويُحذّر، فإذا صالَ لم يُبقِ ولم يذر. كان جالسًا يُملي على راويته وعوعةُ بن سَعيد ولقبه مَرْبع، فمرّت جنازة فسكت جرير، ورفع مربَع نظره إلى جرير ينتظره أن يُكمل، فلم يكمل حتى مضت، فقال: يا مربع؛ شيّبتني هذه الجنائز. فقال مربع: فما لك تُشاتم الناس؟ فقال: يبدَؤونني ثم لا أعفو.

ومن الحكايات غير المشتهرة؛ أن الفرزدق تزوّج النوار ابنةَ عمّه بالحيلة، وهربت منه ولجأت إلى ابن الزبير -رضي الله عنه- وحاولت أن تخلع نفسَها منه فلم تستطع، جلست معه على مضض حتى طلقها وقال بيته المشهور:

ندمت ندامةَ الكسعي لما

غدت مني مطلّقةً نَوار

ومعنى اسم نَوار جميل، ونغمه جميل، وليته ينتشر بيننا؛ النَوار هي النافرة من الريبة.

ولكي ييغيظها تزوج عليها امرأة من بني شيبان نصرانية اسمها حدراء، وأصدقها مئة ناقة! وهذا كثير على نصرانية، وهذا الصداق أكثر مما أعطى النوار! فضاقت النوار بالفرزدق ذرعًا، وقالت له: كيف تصدق نصرانية مِائة ناقة! فهجاها الفرزدق في أبيات ومدح حدراء، فأتت جريرًا، وقالت له: ألا ترى ما يقول الفاسق؟ فقال لها: أنا أكفيكِه. فقال فيه قصيدة ليست من مُخزياته ولكنّه تلاعب فيها بالفرزدق، وهجا حدراء بنت زِيق وأباها، وحذرهم من تزويجهم الفرزدق، ولكن نقضها الفرزدق بسهولة، وقال الفرزدق في موضوع زواجه من أشراف العرب:

ولو تُنكحُ الشمسُ النجومَ بناتِها

إذن لنكحناهنّ قبلَ الكواكبِ!

فقال جرير:

ذكرتَ بنات الشمسِ والشمسُ لم تلدْ

وأَيْهاتَ من حوقِ الحمار الكواكبُ

وهنا ملاحظة؛ جرير هو الذي فتل، والفرزدق نقض، ولكن هذا البيت لجرير هو نقض لبيت الفرزدق، وهذا كثير في النقائض، ويبدو -والله أعلم- أن الشعراء تزيد في قصائدها نقض بعض الأبيات بعد سماع قصيدة الخصم.

وفي هذه المشاجرة كان الفرزدق يقول: إنك تحسدني لأنك لا تستطيع الخطبة إلى بني شيبان، فلن يقبلوا بك. فيقول:

وإني لأخشى إن خطبتَ إليهمُ

عليك الذي لاقى يَسارُ الكواعبِ

يسار هذا كان عبدًا لامرأة اسمها مَنْشَم، ومَنْشَم كانت مشهورةً بجمع العطور من أقطار الأرض وبيعها، وهي المقصودة في قولهم: دُقّ بيننا عطر منشم. لأنهم كانوا يشترون الكافور منها لموتاهم، فصاروا يكنون عن عطر منشم بالشر والحرب التي ستُخلّف قتلى. فراودَها يسار عبدُها عن نفسها، فقالت له: لا بأس، ولكن أريد أن أُشِمّكَ طيبًا وصلني من الجزائر. فأخرجت الطيب وقَرّبته من أنفه، فلما اقترب أخرجت شَفرةً وجدعت أنفه! فيقول الفرزدق: إني أخشى عليك إذا خطبت إلى زِيق الشيبانيّ أن يجدعوا أنفك، لأنك بذلك تتطاول على أسيادك.

ويبدو أن الفرزدق أعجبه البيت، وأن جريرًا غاظه المعنى، فقد قال جرير أبياتًا، فاكتفى الفرزدق ببيت واحد أعاد فيه المعنى فقال:

إن كان أنفُكَ قد أعياكَ محملُهُ

فاركبْ أتانَك ثمّ اخطُبْ إلى زِيقِ

رسائلي إليها (٦)

  رسائلي إليها (٦)   ٢٣ ديسمبر عزيزتي، بَعُدَ عهدي بآخر رسالة، لم تخمد نار الشوق، ولكن أوهىٰ مِعصمي أن يكتب إليكِ علمي أن هذه الرسائل لن تصل...