التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحاديث الظهيرة

 أبغض من مقدمات الروايات ما يذكر في البداية تاريخًا لا يهم أحدًا، ولا تستطيع تذكره أصلًا، إن كان ولا بدّ فاذكر الحقبة بشكل عام، هذا تفضيلي ولا أقول رأيي، الأمر لا يرقى إلى التَّرَئّي، طرأت لي هذه المقدمة لأني كدت أبدأ المقالة بتاريخ اليوم الذي هو 20 أبريل 2025، لقد ذكرته مع ذلك!

بودي لو أن لمجتمع القراءة في مواقع التواصل ترابطًا أكثر مما أجد، فقد تابعت مجموعة من الغرب الذين يصنعون محتوى متعلق بالكتب فوجدته ممتعًا لسبب؛ أن غالب من يصنع المحتوى لا يتعدى الروايات، والروايات لا تشكل تحيّزًا للمرء، أما عندنا العرب فما أكاد أتابع صانع محتوى قارئًا إلا أجده مولعًا بالفلسفة، ولوع المُسلّم، فتجده فعلًا يعتقد بفلسفة هذا أو ذاك، وهذا التحيّز يشكّل المرء شكلًا، ويجعله مائلًا متعصّبًا لا محالة للفلسفة التي يعتقدها، فيصبح إنسانًا بغيضًا لا يُحتمل ثِقْلُه.

القراء عندنا يساوون بشكل أو بآخر الكتّاب عندهم، قد أصابت الغرب لوثة الفلسفة فصاروا لا يكتبون لأجل المتعة، أو التعبير عن الإنسان كما كان يفعل الروس في عصرهم الذهبي، وإنما يكتبون خدمةً لفلسفة ما، والكاتب الملتزم دائمًا يخسر في رهان الخلود الذي ينشده الكتاب، لأن عامة البشر لا تهمهم أفكار اعتباطية فكّر بها فيلسوف في جحره، نعم الفلسفات ليست علمًا، هي أفكار صاغها أصحابها وألزموها البشرية، تبًا للكاتب الملتزم.

الموضوع هذا يحدد توجهي في القراءة، فلا أكاد أشعر بالكاتب يلوي لسانه ليًا ليعبّر عن فكرة فلسفية حتى أغلق الكتاب غير آبه بكاتبه، وأعني هنا الأفكار المتعلقة بالفلسفات الموجودة مثل الوجودية والعدمية وأشباهها مما له أسماء تهول بلا طائل، أما الفلسفة في ذاتها فهي متحصلة لا محالة في كتابات المرء.

كنت أتابع صانعة محتوى كَنَديّة وضعت تحديًا لها ولصديقتها ولمتابعيهما أن يقرأوا تراث تولستوي وديكنز، ويقيمون حلقات نقاشية بذلك، كانت هي تميل لتولستوي وصديقتها تميل لديكنز، في أول الأمر استطلتُ الطريق، ولكنهم انتهوا بعد أربع سنوات فعلًا، وكانت مادة كبيرة وحصيلة وفيرة من النقاشات والتحليلات الممتعة بينهم، فهل هذا ممكن عندنا في مواقع التواصل؟ ممكن ولكن ليس على نطاق كبير كما رأيت، ينقصنا شيء من التواضع، فالتي كنت أتابعها لم تكن تعتبر نفسها مثقفة تنظر من برج عال، كانت تقرأ وتستمتع وتشارك المتعةَ متابعيها فقط.

وهنا أمر آخر يوحشُني من النوادي القرائية، فقد تابعت حوارات بعض النوادي عندنا، كأنهم يرون أن الحديث عن القصة والشخصيات والحوارات الدرامية في الرواية نوعٌ من السطحية، فتراهم لا يتناقشون إلا في "الأفكار العميقة" للرواية، فتفقد الرواية بريقها، لا يعجز الكاتب أن يصوغ أفكاره في كتاب بشكل مجرّد من القوالب الأدبية، فبما أنه صاغها في قالب أدبي فليس من العقل تجريدها والنظر مرة أخرى، والحديث عن الأفكار المجردة فقط، هذا ممل جدًا ولا فائدة منه، لأن الفائدة العلمية التي يخشى أن يرموا بفقدها غير متحصلة بهذه الطريقة كما ينبغي، العلم لم يُهجَر في الكتب العلمية، فاقرؤوها إن كنتم تخشون تهمة السطحية.

شكرًا لكم

تعليقات

  1. لا أحب الفلسفة المقصودة بعينها في الأعمال الأدبية

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...