التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مذكرات حبيس

قال لي عندما رآني أعود من نزهتي بوجه مربدّ:

أراكَ -إن لم تكن ترى نفسك- قد خرجت بوجه ورجعت بوجه أكثر اسودادًا، وهذا يدلّ على أن طرح البصر في مناحي الأرض لم ينفعك.

فقلت له بنبرة محايدة:

وماذا أصنع؟ قد فعلت ما أمرتني به.

فقال:

لن ينفعك الخروج في الطبيعة إذا كنت في سِجن من نفسِك وهمومِك ووساوسك، والطبيعة لن تمدّ مُبردَها إلى سجنك حتى تُخرجك إن لم تُخرج نفسَك.

قلت:

أليس هذا عجيبًا؟ البحر الزاخر، والسماء الزرقاء، والهواء المنعش، والبشر والطير والشجر، كلّ ما هو متكفل لإخراج الإنسان من كآبته، وقفوا دون باب السجن ينادون من مكان بعيد، لا أكاد أسمعهم.

قال:

لذلك أخبرتك أن سجن نفسك أنت وحدك تملك مفتاحه، أو تملك كسرَه.

***

عدت من غدٍ مُريدًا "كَسْرَ سجني" فخرجتُ إلى الحديقة العامة صباحًا قبل أن يتغيّر الهواء بأنفاس الناس، كانت الألوان أبهتَ مما هيَ عليه، فعلمتُ أن هذا مشهد من خلال نافذة السِجن، أخذت نفسًا عميقًا أو نَفَسين، فشعرتُ بتحرر لِلَحْظة، كما تهبّ نسمة على المسجون ثم يعود الجوّ خانقًا رطبًا، كأن هذه القضبان ارتفعت عنّي ثم عادت مصطكّةً تصدم الأرض وتدوّي في جنبات حوائط السجن.

كانت محاولةً جيدة لإراحة نفسي، وإن لم تستمرّ أكثر من ذلك، فعدتُ إلى صاحبي وكان لمّاحًا لتغيّرات التفس من خلال ما تنطق به العيون، فما إن رآني حتى ابتسم وقال:

يُعجبني المُحاوِل وإن لم يفلح، ألم تسمع بشرف المحاولة؟ فهل سمعت بشرف النجاح؟ دائمًا الشرف قرينُ المحاولة يا صديق.

***

ها قد مضى يومان لم أتحدث إلى أحد، لا أعني الأحاديثَ العابرة والتحيات؛ بل أعني المحادثة والأخذ والردّ والنقاش، المحادثة المتكاملة الأركان، هي حاجة للإنسان أشبه بحاجته للماء والهواء.

أتعلمون ماذا يحدث لمن يُمضي حياته صامتًا لا يسمع إلا أفكاره؟ سيخدر لسانه فما يكاد يقيم كلامًا متصلًا، وتستبدّ به وساوسُ لا تنتهي، يقع في دوّامة لا يعلم كيف ابتدأ ولا إلى أين تنتهي، فقد تعطل لديه محفز التفكير من الناس، يصبح زاهدًا في الحياة، تُظلم في عينه الدنيا، وتفقد بهجتها، وتنسحب الألوان من أماكنها وتحلّ شبيهاتها الرمادية.

أما صديقي الذي ينصح بكسر سجن نفسي، فربما هو لا يعلم أن اليد الواحدة لا تصفق، هو يتركني في قارب في عُرض المحيط بلا مجداف والهواء ساكن، ثم يشير نحوي من منارته العاجية ويقول بابتسامته: تعال يا صديقي. سأفعل ولكن ارم إلي بمجداف!

***

مراقبة السقف هواية مملة، ولكن لي مغزى من ذلك، أريد "كَسْرَ سجني" أو شيء من هذا القبيل، يبدو لي الأمر مُحالًا، أو قل أن حلّ صديقي ليس في موضعه، ليس حلًا أن تصوّر لي تشبيهًا يعبر عن حياتي، ثم تحطم التشبيه بتشبيه مثله، وتبتسم ابتسامة الحكيم، مريحًا ظهرك على مقعد راضيًا بما توصلت إليه من حلّ لمعاناتي، يبدو لي بعد تفكير أن مراقبة السقف هواية مثيرة مقارنةً بالدائرة المفرغة التي ألقاها إليّ صديقي.

***

تكررت هذه العَوْدات إلى صديقي، كان كلامُه حِكَمًا إلا أني لم أستفد منه، والذي لَحَظتُه بعد مُدّة أنه بدأ يشبهني، كنتُ أقشرُ ألوانَهُ شيئًا فشيئًا بيأسي وظَلامي الذي أسبغُهُ على ما حولي.


اليوم انتبهت إلى تلعثمِه، وبطء بادرته في الحِكَم البرّاقة، يتكلم الكلمة ثم يصمت في منتصف الثانية، قتلتُ فيه روح المتفائل، كان ظلامي واكتآبي أعتى من تفاؤله وابتهاجه.


قلت له في آخر لقاء:

يبدو أنني لن أتغير.

فردّ بنصف صوت:

لا تقل ذلك كل شيء بتغير.

فانتهزت هذه الفرصة التي واتتني بأنه يقول كلامًا لم يمحّصه في نفسه فقلت:

بلى صدقت، وإني لأراك قد تغيرت وأصبحت أشبه بي من نفسي! هذه الظلمة التي كنت تسميها سجنًا، أتستطيع الآن الخروج منها؟ قل لي! كنت مُولعًا بالحِكَم الرنّانة التي أشعرتني بالتوهان، خذها وابرد بها قضيان سجنك!

وتركته ومضيت، لم ألتفت إليه، ولا أقابله بعد ذلك، خُبّرتُ أنه انعزل، وتحوّل إلى جذع شجرة مُلقى، أصابه ذلك لأنه لم يعتد الظِلمةَ اعتيادِي إياها، ما لي وله


تعليقات

  1. يعني صديقك الذي كان سندك الذي تلجأ إليه فيعطيك من حكمه، لم تكف فقط بعدم اتباع نصائحه بل وعاديته بمرضك وتركته غير آبه لما حل به وتقول مالي وله 🙂

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...