التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فائدة الروايات

فائدة الروايات

 

لا تنتظر من هذا العنوان كلامًا علميًا، لا أرى أن لهذا جدوى، وكل من يتكلم عن فوائد قراءة الروايات تشعر أنه يصف لك لون الهواء، وطعم الماء، ولكن سأتكلم إن شاء الله عن فائدة استفدتها شخصيًا من آخر رواية يفكر احدهم أن يستفيد منها.

 

في عام من أعوام الجامعة، الأخير على التحديد قرأت رواية دوستويفسكي (في قبوي)، أو غير ذلك، فلم يُجمع المترجمون على عنوان، الدروبي جعلها (في قبوي) وزغلول فهمي جعلها (مذكرات من العالم السفلي) وعبد المعين الملوحي (في سردابي) وهكذا، لأن العنوان الروسي: مذكرات من الـ(بادبوليا)، وهذه الكلمة بالروسية تشمل معاني كثيرة للمكان تحت الدور الأرضي، وقد سألت خالي -وكان درس في روسيا- عن معناها فأخبرني بأحد معانيها المقاربة، قال: كانوا يسمون سراديب مراهنات الملاكمة بـ بادبوليا. بحثت هكذا عن الكلمة في صور قوقل فظهر لي المكان الضيق بين أسفل البيت والأرض، الفراغ الذي يرتفع عنه البيت قليلًا.

 

قرأت هذه الرواية، فوجدت بطل الرواية فيه كثيرًا من صفاتي، ولكن بشكل متطرف مبالغ فيه، بطل الرواية لا أدري كيف أصنفه في الفلسفات ولكنّه رجل ذكي، غير قادر على مجارات مجاملات الناس بين بعضهم، ولا مجاملاتهم لأنفسهم، فهو يرى نفسه أرفع منهم، ويحسدهم على تصورهم الراضي عن أنفسهم، ويحتقر نفسه لأنه ليس مثلهم، ويحتقرهم لأنهم ليسوا مثله، فيشبههم -بأنهم عمليين- بالثور الذي يركض في اتجاه واحد ثم يصطدم بالجدار، ويسخر من تسليمهم للأخلاق تسليمَهم للمسائل الرياضية.

 

أنا لست كذلك، كنت أشبهه من ناحية نظرته لنفسه، وتعامله مع المجتمع، ولم أنتبه لسوء ما كنت فيه حتى قرأت الرواية، وعلمت نهاية مثلِ هذه التصورات التي بدأت نواتها بالانفلاق عندي، فالحمد لله تداركت الأمر الذي بصّرَتْنيه الرواية من نفسي.

 

هذه الفائدة لا أنكرها، وبعد قراءة (في قبوي) حالفتُ دوستويفسكي، وانطلقت في رحلتي في قراءة أعماله.

 

لن تصدقوني لو قلت لكم أن في خاطري كلامًا أكثر، ولكن الوظيفة قطعت المقالة، السلام عليكم.


تعليقات

  1. غير معرف1/5/25 1:32 ص

    أخبرنا بفائدة الروايات؟ أليست تثير كوامن الهموم فقط؟!

    ردحذف
    الردود
    1. إن الرواية مثلها مثل الشعر والمسرحية أو غيرها من أشكال المحاكاة والتقليد، وكما قال أرسطو في محاكمته لأفلاطون؛ أن تقليد الواقع(Memsis)غريزة بشرية أولا، ولما كانت العلوم والمعارف تستقى من الواقع كانت هي شكلا من أشكال ايصال هذه المعارف. إذ أن الرواية هي خبر، فتحمل من القيمة المعرفية ما يحمله الخبر، وهو أساس العلم الإنساني.

      حذف
  2. غير معرف25/12/25 11:40 م

    أنا ممن قرؤوا " الجريمة والعقاب " وقد انتفعت بها من الناحية الشعورية .. فقد كنت باحثا عن تلك الرغبة المتفجرة بعد عمل شديد التأثير ولما قرأتها زودتني بذلك فسكنت نفسي وهدأت .

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...