التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتابان روايتان (2)

 

كتابان روايتان (2)

هذا الصباح كنت أستمع إلى قراءة المنشاوي -رحمه الله- لسورة الكهف، أسبغت القراءةُ على قلبي لَبوسَ السكينة، وقلت في نفسي، لعلي أتكلم اليوم عن قراءة المنشاوي، لكنّي تراجعت، فقد ألزمت نفسي أمس أن أكتب الجزء الثاني من مقالة (كتابان روايتان) وغدًا سأتكلم عن قراءة المنشاوي البهية -إن شاء الله-.

 

مقدمة أحسبها ليست موفقة، كأني نزلت من الأحب إلى الحبيب، ومن الأهم إلى المهم، ولكنّه الإلزام، لا تلزموا أنفسكم بشيء، لا تكونوا قنادس كونوا كوالا، ما لفرق بينهما؟ أنا أخبركم؛ القندس حيوان يخطط لحياته لشهور، فهو يبني السدود ومواضع المبيت، وله تأثير كبير في الكوكب، أو في المكان الذي هو فيه، أما الكوالا فتعيش كيفما اتفق، تتسلق الأشجار وتأكل ما تيسّر من هنا وهنا، ثم تنام عشرين ساعة، وهكذا؛ فالقندس مثال على الالتزام، والكوالا مثال على البوهيمية، تحيا الكوالا!

 

الرواية الثانية أعلم، لم أنس الموضوع الأساس للمقالة، فلا تغضب عزيزي القارئ. أقرأ رواية جريمة في قطار الشرق، هذه الرواية أجّلتُ قراءتها سنوات ذات عدد، ثم عزمت بحول الله على قراءتها، وقد اتّلثتُ فيها (وصلت الثُلُث) وأحسب أن هذه الرواية هي أكثر رواية مهيّئة لبوارو كما يريدها، قطار متعطل في الثلج، فهو مكان منعزل، ومشتبه بهم محدودون، ومالك شركة القطار أعطاه الخَيْط والمِخْيَط يتصرف في حل الجريمة كما يشاء.

 

قرأت لأجاثا كريستي روايات قبلها، ولكن رأيتها هنا تطبخ الرواية على نار هادئة من غير تطويل مُملّ، ولا اختصار مخل، رواية بوليسية مثالية، وأحبُّ من الروايات البوليسية ما تكون هكذا في مكان مغلق، والتحقيق يبدأ باستجواب الموجودين، وتبدأ مع المحقق تراقب كلماتهم، أو تناقضاتهم، ثم تجلس وتفكر كما يقول هيركول بوارو، حدث هذا مع الرواية التي قرأتها لأجاثا كريستي قبل هذه وهي، جريمة عيد الميلاد، كانت في بيت مغلق، في حفل اجتماع في الكريسمس، وتحدث جريمة فيُحبس المدعوون وهم من عائلة واحدة، وتبدأ الاستجوابات، وتظهر العلاقات المعقدة بينهم.

 

غير ذلك فإن أجواء العصر ذاك جميلة، وإن لم تكن فكتورية فأجاثا تكتب في زمانها بداية القرن العشرين وأواسطه، ولكن حافظت على الأجواء الفيكتورية المحبوبة عند الناس، وهنا اختلاف عن ديكنز "الفيكتوري" فإنه يظهر أبشع ما في العصر الفيكتوري من فقر وجوع وزوايا منتِنة.

ليس عندي غير هذا، إن شاء الله بعد أن أنتهي من جريمة في قطار الشرق وأوليفر تويست أكتب عن الروايتين انطباعًا ومقالة تكون امتدادات لهذه المقالة.


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة رواية: أوليفر تويست - تشارلز ديكنز

  أوليفر تويست تشارلز ديكنز الصفحات: 576 التقييم: ★ ★ ★ ★ ✩ أول قراءاتي لتشارلز ديكنز، ولا أدري إن كان سيتجاوز نفسَه في رواية أخرى أم لا، ربما يفعل في ديفيد كوبرفيلد. تبدأ الرواية في ذِكر مولد أوليفر تويست، ثم تجمع الروايةُ قبضها وتلكمه وتلكمه حتى تقول في نفسك: هيه! ما هذا المخلوق المسحوق!

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قصة الشعر (4)

    قصة الشعر (4) ما زلتُ أكتبُ كل يوم، كل يوم بيتًا أو بيتين، أو قصيدة أو قصيدتين، كنتُ أكتب الشعرَ أكثر مما أقرأ من الدواوين، وهذا أبطأ تطوّري. وفي المرحلة الثانوية انتشرت أبيات لا معنى لها، تُقال للإبهار، وقد نسيتها الحمد لله، فأردت أن أبهر زملائي أكثر وجعلت أبحث عن قصيدة غريبة، فوقعت اتفاقًا على لامية العرب! وحفظت منها قوله: ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ .. وأرقطُ زُهلول وعرفاءُ جيألُ وهذه من أول الشعر الذي عرفته، ثم أخذت شرح المعلقات من مكتبة والدي، بشرح الزوزني، وفتحت من منتصف الكتاب فوقعت عيني على معلقة طرفة بن العبد، وأعجبني جَرْسُها وقافيتها، فكانت أول معلقة عرفتُها، وزادني حبًا لهذه المعلقة أنني فهمت شرح الزوزني لبيت طرفة: ووجهٍ كأن الشمسَ حلّت رداءَها … عليه نقي اللون لم يتخددِ فهمتُه ولم أجهد في ذلك، ولذا أقول أن شعر الجاهلية هو أوضح شعر، اعرف معاني الألفاظ فقط، ولن تعاني في معاني الأبيات. ولا بدّ لي من ذكر مواقع التواصل، بدأ الأمرُ في الفيسبوك في الأعوام ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢ تقريبًا، كل يوم منشورٌ فيه أبيات وليدة اللحظة، أبيات سيئة بطبيعة الحال، ولكن كل يوم! "وإنما السيل ...