رسائلي إليها (٥)
هذه رسالة أرّخها العاشق بتاريخ ١١ أغسطس، وتظهر فيها رشاقة قلمه الأدبية:
عزيزتي،
كم بيننا من قُرىٰ وجُدُر، وقومٍ نُكُر، مستزئرينَ أن يفرّقُوا بين المرء وإلفِه، مستأملينَ أن يودي حَتْفَ أنفِه، لو استطاعوا داخلوا نفسَهُ فأتلفوا حُشاشاتِه، يؤذيهم رَسيسُ الحُبّ وقد رأوا تساقُطَ أوراقِه، ويَغيظهم شعشعانُ نورِهِ بين فُرُجاتِ الكَمَد، يتفرّسونَ فيه لَحْنًا يهديهم، وسَقطةً تعدلُ رأيهم، وهو يتجلّد ويتجلّد، فيحبسُ دون الشامتينَ مَصونَ دمعه، ويبتسمُ والحُزْنُ ينهشُ بين كبده وقلبه، حتى إذا هدأت الأصوات، وأسدلَ الليل ستائر السكون، وهدهدت السماءُ الأرضَ؛ اختنق بعبرتِه، وخفقَ قلبُه، ونطقَ باسمِكِ هامسًا، ثم نطق به مرةً أخرىٰ، وما زال يعاودُ ذلك بين كلّ شهقتَين، حتى يغلبَهُ البكاء، ويُسكته النحيب.
أنا كثير التأمّل والتفكّر، كثير التحليل كما يُقال، كلّ بابٍ أدخلُهُ يخلُصُ بي إلى غيرِه، قضيتُ حياتي هكذا، وعندما بلغتُ باب الحُبّ، وقفتُ أمامَهُ لحظة، هي لَحْظة في العُمُر، سَنةٌ في الشعور. وأخَذَتْ الأفكار تَوالىٰ عليّ، كأنّي ممسكٌ كتابًا تُقلّبُ الريح صفحاتِه، تقلّبُها بسرعة، وعيني تلقط جملةً ثم تُقلب الصفحة، فتلقطُ جملةً أخرى فتقلب؛ وهكذا على غير اتساق، أو كأني أمشي على طبقات أرض هشة، فكلما وقعتُ على أرض انخسفت بي إلى غيرها، فقبضتُ على مقبض الباب فإذا هو دافئ، كأنّي قد فتحته من قبل، ثم دخلتُ، وألقيتُ عصا الترحال، ووالله ما في نفسي التحوّل عن هواكِ إلى هوىٰ سواك، ولا لعيني نفاذُ في جمال لم يكن له حظ منك.
أديري ناعستَيْكِ في صفحة الليل؛ لتَرَيْ نبض أشواقي في نجومِه، يا جمالًا رأته عيني مرة؛ فوعاه قلبي إلى الأبد.
وسلامٌ على ذلك القلب المَخْموم، ورحمة الله على تلك الروحِ الطاهرة، وبركاتُه على ما طيّبَ الأردان.
متيّمك
أ. س.