الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

رسائلي إليها (٥)

 رسائلي إليها (٥)

هذه رسالة أرّخها العاشق بتاريخ ١١ أغسطس، وتظهر فيها رشاقة قلمه الأدبية:


عزيزتي،


كم بيننا من قُرىٰ وجُدُر، وقومٍ نُكُر، مستزئرينَ أن يفرّقُوا بين المرء وإلفِه، مستأملينَ أن يودي حَتْفَ أنفِه، لو استطاعوا داخلوا نفسَهُ فأتلفوا حُشاشاتِه، يؤذيهم رَسيسُ الحُبّ وقد رأوا تساقُطَ أوراقِه، ويَغيظهم شعشعانُ نورِهِ بين فُرُجاتِ الكَمَد، يتفرّسونَ فيه لَحْنًا يهديهم، وسَقطةً تعدلُ رأيهم، وهو يتجلّد ويتجلّد، فيحبسُ دون الشامتينَ مَصونَ دمعه، ويبتسمُ والحُزْنُ ينهشُ بين كبده وقلبه، حتى إذا هدأت الأصوات، وأسدلَ الليل ستائر السكون، وهدهدت السماءُ الأرضَ؛ اختنق بعبرتِه، وخفقَ قلبُه، ونطقَ باسمِكِ هامسًا، ثم نطق به مرةً أخرىٰ، وما زال يعاودُ ذلك بين كلّ شهقتَين، حتى يغلبَهُ البكاء، ويُسكته النحيب.


أنا كثير التأمّل والتفكّر، كثير التحليل كما يُقال، كلّ بابٍ أدخلُهُ يخلُصُ بي إلى غيرِه، قضيتُ حياتي هكذا، وعندما بلغتُ باب الحُبّ، وقفتُ أمامَهُ لحظة، هي لَحْظة في العُمُر، سَنةٌ في الشعور. وأخَذَتْ الأفكار تَوالىٰ عليّ، كأنّي ممسكٌ كتابًا تُقلّبُ الريح صفحاتِه، تقلّبُها بسرعة، وعيني تلقط جملةً ثم تُقلب الصفحة، فتلقطُ جملةً أخرى فتقلب؛ وهكذا على غير اتساق، أو كأني أمشي على طبقات أرض هشة، فكلما وقعتُ على أرض انخسفت بي إلى غيرها، فقبضتُ على مقبض الباب فإذا هو دافئ، كأنّي قد فتحته من قبل، ثم دخلتُ، وألقيتُ عصا الترحال، ووالله ما في نفسي التحوّل عن هواكِ إلى هوىٰ سواك، ولا لعيني نفاذُ في جمال لم يكن له حظ منك.


أديري ناعستَيْكِ في صفحة الليل؛ لتَرَيْ نبض أشواقي في نجومِه، يا جمالًا رأته عيني مرة؛ فوعاه قلبي إلى الأبد. 


وسلامٌ على ذلك القلب المَخْموم، ورحمة الله على تلك الروحِ الطاهرة، وبركاتُه على ما طيّبَ الأردان.


متيّمك

أ. س.

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

رسائلي إليها (٤)

 رسائلي إليها (٤)

هاتان رسالتان من رسائل أ.س في الأولى تظهر حيرته، والفاته إلى نفسه وفي الثانية تظهر بوادر يأسه من حياته، ولذلك فصلهمها إذ كتبهما في يومين متتالين.

-

١٣ سبتمبر

عزيزتي،


تذكّرتُكِ.. وما أكثر ما أتذكرُ شعوري الأول، شعوري المتردد عندما رأيتك أول مرة، والذي بقي مترددًا حتى انقطع اجتماعنا اليومي، فبتّ متحسرًا أنني لم ألتفت لهذا الشعور المتردد.


لو كنتُ أطعتُ قلبي مرةً فيما يُحِبّ، كيف ستكون حياتي؟ لقد أهلكتُ قُوايَ بالتعقّل المفرط، والحذر المستريب، حتى خرجتُ خاسرًا في كل معاركي، الهارب من معاركه خاسرٌ حيّ، وهو أسوأ ممن حاول.


أنا أحبّك.. ولم يبقَ في يدي خيطٌ أتوصل به إليك، أغلقت دوني السبل، ووضعت السدود، وهذه السدود لا تزداد إلا غلظًا، لا أحب هذا الموقف، أنا حائر لا أدري ماذا أصنع، متوقف بين إقدام وإحجام، وشد وإرخاء، وعزم ونكوص، أريد إشارة منك تجعلني أندفع اندفاع نهرٍ أزيلت من أمامه صخرة حالت دون جريانه.


رسائلي بدأت تتقلص، وبدأت تلبس لغة بيضاء لا فن فيها، لم تعد نفسي تحتمل توليد المعاني وإسباغ الألفاظ الرائقة، ملّت كل شيء.. تركت كل شيء.. إلا حبك! والله لا أدري ما الذي يغذيه، ولكنه قوي جدًا لم تنفصم منه عُروة، ولا انحلت عقدة.


مُحبك المشتاق

أ.س

-

١٤ سبتمبر

عزيزتي،


ما لي أرىٰ كل عاشقٍ نالَ حظوةً عند معشوقه، وحاز رضاه، وقرّ به عينًا؛ وأنا كل يوم أتقطعُ حبًا، وأتضرم شوقًا، ثم لا يكون منك شيء؟ إني لأشك بذلك اليوم الذي كشفتُ لك فيه عن مكنون قلبي، هل كانت تلك المحادثة فعلًا؟ هل محادثتي لك في شهر نوفمبر قبل سنتين كانت حقيقة؟ عندما وصفت لك نفسي فقلت لي: أنت ذلك الأسمر؟ نعم أنا ذلك الأسمر، وأحسبني ازددت اسمرارًا للذي لقيتُه من غم وهمّ يغدوان علي ويروحان تحدوهما شدة التفكير بك وبحبك الذي أغلق عيني عن كل لذائذ الدنيا.


والله إني أبحث كما يبحث منتقش الإبرة من الأرض عن كل صورة تشبهك، وكل شيء له علاقة بك،  لعلي أهدأ قليلًا.. ولكن ذلك لا ينفع!


أنا لا أطيق، ولا صبر عندي، لا أدري كيف صبرت على هذا الشيء الذي أستحي أن أسميه حُبًا!


لن أنويَ السلوّ، كما لم أنو الحبّ، متى ملكتُ زمام نفسي أصلًا ؟! 


مع السلامة


أ.س

الأحد، 19 أكتوبر 2025

قاعدة في فهم الشعر

 قاعدة في فهم الشعر

في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه.

لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه.

وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم.

وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم.

فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير:

فغض الطرف إنك من نُمير

فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا

فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن هذا البيت. ودلّني ذلك إلى المغالبة في الهجاء، فهي أن يقول الشاعر بيتًا فخرًا أو هجاءً فينقضه عليه خصمه، فإذا لم يستطع نقض الهجاء غُلِب. ورأيت أن الفرزدق وجرير ما زالا يتعاركان ولا يهتدي أحدهما إلى الإحاطة بصاحبه حتى يغلبه. فكان هذا الفهم الذي هداني إليه ربي فاتحةً لفهم كثير من الشعر.

فمما أخبروا أن ليلى الأخيلية غلبت النابغة الجعدي، استنكرت ذلك وأكبرته، ولكن سلّمت به، وعرفت العلة بعد ذلك حين فهمت تغليب جرير، فقد فعلت ليلى مثل ما فعله جرير، ولكن ردها كان نقضًا لقول النابغة:

ألا حييا ليلى وقولا لها هلا

فقد ركبت أيرًا أغرّ مُحجّلا

هلا كلمة تُهدّأ بها الفَرَس عند الضراب، فقالت ليلى:

تُعيّرني داءً بأمك مثله؟

وأي حَصان لا يُقال لها هلا؟

فكان ردّها أن الحصان غير المعتادة ستكون خائفة فسيُحاول أهلها تهدِأتَها، فجعلت النابغة بين نارين، إما أن يقول أن أمه لا يُقال لها هلا وهذا معناه أنها ليست بحصان، أو يُقرّ بذلك فيعود قوله الأول على أمه كما هو على ليلى! فسكت عن الثنتين كما سكت الراعي، فغلبته ليلى.

مَظهَر أخير من توقير كلام السلف وعدم معارضتهم؛ أني قرأت خبرًا أن الأصمعي قرأ شعر الحطيئة على أبي عمرو، فبلغ قوله:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

أي خدعتني وزعمت أنك صاحب لبن وتمر، فصحّف الأصمعي فقرأها:

وغررتني وزعمتَ أنك

لا تَني بالضيفِ تامُر

أي خدعتني وزعمت أنك لا تفتر عن الأمر بإكرام الضيف. وتصحيف الأصمعي منطقي، لأن رسم (لابن) كرسم (لاتن) فقال أبو عمرو: تصحيفك أحسن من بيت الحطيئة. فاستنكرت أن يكون تصحيف للأصمعي أشرفَ من بيت للحطيئة، وبعد وقت قرأت قصيدة الحطيئة، ووجدت أن البيت لوحده هكذا سيكون نعم تصحيف الأصمعي أشرف وأحسن من بيت الحطيئة، لأن فيه شكوى، ولكن البيت مع ما بعده أفضل وأحسن وأعلى،  ويحول المعنى من الشكوى إلى الاستهزاء ، قال الحطيئة:

وغررتني وزعمتَ أنّكَ

لابنٌ بالصيفِ تامِر

ولقد صدقتَ فهل خشيتَ

بأن تدور بك الدوائر

فكذّبه أولًا، ثم صدّقه وقرن تصديقه بوصفه بالبخل، وحاصره، فصدق الإمام أبو عمرو وأحسن الأصمعي وأحسن الحطيئة.

رسائلي إليها (٦)

  رسائلي إليها (٦)   ٢٣ ديسمبر عزيزتي، بَعُدَ عهدي بآخر رسالة، لم تخمد نار الشوق، ولكن أوهىٰ مِعصمي أن يكتب إليكِ علمي أن هذه الرسائل لن تصل...