التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسرح والحِوار

 

المَسْرَح والحِوار

جريمة في قطار الشرق – الحوارات – الضيف الحجري - بوشكين

لاحظتُ من أسلوبي في المقالات الثلاث عن قصتي في الشعر أنني حين أتحدثُ عن ذكرياتي أظلُّ أسردُها سردًا من غير أسلوب واضح، كأنني أسرد حاجيات المنزل: بيض، طماط، صحون. وصلت الفكرة؟ لا لم تصل.

قبل اخْليلاقي في المقالة (لا أريد أن أقول "شُروعي" لأنني أديب) كنت أقرأ في رواية: جريمة في قطار الشرق. وصلت منتصف الرواية، جاءت الرواية على ما أفضله، أنا أحب الحوارات، وأحب في روايات التحقيق أن يكون مكانًا مغلقًا، والمتهمون محدودون، والتحقيق يكون باستجواب الموجودين، وسماع إفاداتهم، وملاحظة التناقضات، ودقائق التغيرات، وهكذا هذه الرواية، فثلثها الأوسط عبارة عن فصول معنونة بإفادة فلان، وإفادة فلانة، ولعلي لهذا السبب لم يسُغْ لي  آرثر كونان دويل في مغامرات شارلوك هولمز، لم أقرأ بعد (دراسة في اللون القرمزي) ولكن بشكل عام قصصه القصيرة لم تجذبني لأنها تفتقد للحوارات والاستجوابات، وأشعر دائمًا أنها قصص كوميدية.

تفضيل الحوارات جعلني أحب قراءة المسرحيات فهي قائمة على الحوارات، يكون الوصف قبل ذلك وصفَ المسرح والأجواء، والشخصيات الموجودة، ثم يكون الأمر كله حوارات، لأن الحوار أكثر طَبَعيّةً من الوصف، ويشبه  ما تقضي به نصف عمرك أعني الحوار، ومن ذكاء الكاتب أن يستطيع إيصال الحدث بالحوار فقط من غير فجاجةً.

أول مسرحية عرّفتني على هذا الأدب كانت (الضيف الحجري) لألكسندر بوشكين، في بداية انبهاري به وبالأدب الروسي جعلت أبحث في كل مكان عن هذا الأدب، فظهرت لي هذه المسرحية مسجلة في البرنامج الثقافي على الإذاعة المصرية.

قدم البرنامج الثقافي منذ الستينيات مئات المسرحيات العالمية مسجلة بلغة جميلة مُعربة، وأداء أسطوري يجعلك ترضى أنك لم تدرك العمل بلغته الأصلية، وأنك لن تراه من باب أولى ممثلًا في مسارحنا.

أحدثكم عن قصة مسرحية الضيف الحجري؟ تمام، بطل المسرحية هو الشخصية الأسطورة دون جوان، زير النساء، قتل العقيد دي سيلفا في مبارزة، فنُفي من مدريد، ثم عاد إليها متخفيًا، ودخل ديرًا فيه قبر العقيد دي سيلفا، فرأى هناك الدونا آنّا أرملة العقيد، فأراد إغوائها، فمما أبهر به بوشكين هذا النص، من حوار دون جوان وآنا، قال دون جوان:

"أنا؟ أنا أصلّي مع دونّا آنّا؟ هذا قدرٌ من السعادة لا أستحقّه، شفتايَ هاتان الشرّيرتان لن تجرُؤا أبدًا على ترديد ابتهالاتكِ القُدْسيّة، ولكنّني .. ولكنّني أطلُّ عليكِ من بعيد في خشوع حينما تنحنينَ في صَمْت، تنشرينَ ضفائرَكِ السوداءِ فوق الرخامِ الشاحبِ، حينئذٍ.. حينئذٍ يبدو لي أن مَلاكًا قد هبطَ إلى هذا القبرِ سِرًا، وعندئذٍ فإن ما أجده بداخلِ قلبيَ المعذّبِ ليست هي الصلوات، لا، ولكنّني أقف في عجَبٍ صامت أفكّر، وأقول: أوه.. يا لَهُ من رَجُلٍ سعيد، ذلك الذي يدفؤ رخام ضريحِه البارد بأنفاسٍ من شفتَيها السماويّتين، ويبتلّ بدموع حبها العظيم."

    وهذا المشهد رسمه الرسام الروسي إيليا ريبن عام ألف وثمانمئة وخمسة وثمانين، أي بعد خمسة وخمسين عامًا من كتابة المسرحية، وبوشكين غني عن التعريف، هو وغوغول كانت منهما انطلاقةُ الأدب الروسي الذي يُعظّمُه القراء، قبل ذلك لم يكن له وزن كبير، حتى قال برنارد شو:

"ما الأدب الإنجليزي أمام الأدب الروسي إلا كالأكواخ أمام القصور."

The Stone Guest. Don Juan and Doña Ana 1885
Ilya Repin


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...