التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحلقة في حياة رجلٍ روسيّ

 

بحلقة في حياة رجلٍ روسيّ

أريد أن أحدثك عن كتاب في مجلدين، وهو رسائل دوستويفسكي، نعم هذا هو الرجل الروسي الذي أبهمت اسمه في العنوان أوهمك أنه رجل لا يعرفه أحد هِئ هِئ (ترجمة أبو بكر يوسف لأعمال تشيخوف مليئة بهذه الضحكة الغريبة وعند تسجيلها أنحشر لا أدري كيف أؤدّيها، فأتجاوزها مشيحًا ببصري مصفرّا كأني لا أدري) ترجم الرسائل خيري الضامن، وصورة الواجهة هي إحدى رسائله بخط يده، خطه جميل صراحة، أحب قراءة الكتاب من غير ترتيب ولا قصد شيء، هذا الكاتب ممتع حتى في رسائله العادية.

قد أكتشف أيضًا بعض الأمور الجميلة، مثلًا؛ سمعنا كثيرًا قولهم: “قال دوستويفسكي كلنا خرجنا من معطف غوغول” ولم يقل ذلك، ولكنني وجدت إشادةً بهذا القدر في رسائله إذ قال في رسالتِه إلى نيكولاي ستراخوف المؤرخة ١٢ ديسمبر ١٨٦٨: لقد توقّف الأدب بوفاة غوغول.(الرسائل ٢/١٧٩)

ومن اللطائف؛ أنه أرسل رسالةً إلى إيفان تورغينيف يستدينه ١٠٠ تالير، فأعطاه نصفها، وذلك عام ١٨٦٥. ثم في رسالة عام ١٨٧٤ ردها إليه وأخبره أنه نسيها وإلا لما تأخر عشر سنوات، قال:

"رجوت الأمير فلاديمير بتروفيتش ميشيرسكي أن يسلمكم عندما يلتقيكم مبلغ الخمسين تالير التي أقرضتموني إياها عام ٦٤ تلبية لطلبي العاجل من فيسبادن، وأنا إذ أعيد لكم هذا الدَين بأعظم قدر من الامتنان لا أجد لنفسي عذرًا في تأخير التسديد كل هذه المدة." (الرسائل ٢/٣١٧)

ومن اللطائف؛ أنه لم تعجبه رواية تولستوي آنا كارينينا، فقد ذكرها أكثر من مرة بأسلوب انتقاص، وكانت نُشرت أثناء نشره روايته (المراهق) ففي رسائله يذكر ما قاله الأدباء مدحًا في المراهق وما قالوه قدحًا في آنا كارنينا، منها رسالته إلى زوجته آنا، ذكر فيها أن نكراسوف قال له:

"رواية تولستوي الأخيرة مجرد تكرار لما قرأته له سابقًا، بل إن السابق أفضل." (الرسائل٢/٣٣١)

ومن ذلك عندما زار أبولون مايكوف وانضم إليهما صديقه ستراخوف، فقال:

"ولا كلمة منهما عن روايتي [المراهق] ربما كيلا يسببا لي خيبة أمل، ودار كلام قليل عن رواية تولستوي [آنا كارنينا] إلا أن كلامهما عنها جاء بإعجاب يبلغ حدّ الضحك." (الرسائل ٢/٣٢٧)

وصفحهما عن روايته كان بسبب نشرها في مجلة (مذكرات الوطن) وهي جريدة ديمُقراطية، ويبدو أنها تخالف توجههم، لذلك قال بعدها:

"حاولت أن أقول إذا كان تولستوي قد نشر مقالته عن التعليم العام في (مذكرات الوطن) فلماذا يلومونني وحدي؟ فعبس مايكوف وحوّل مجرى الحديث." (الرسائل ٢/٣٢٧)

وفي هذه المرحلة كان دوستويفسكي في بطرسبورغ، وزوجته في سترايا روسا، وكانا يتراسلان يوميًا، وأسلوب دوستويفسكي يصبح قصصيًا ممتعًا، لأنه يريد أن يفضي بكل ما في صدره إلى زوجته.

ومن اللطائف؛ عندما كنت أقرأ الجريمة والعقاب، وجدت متعة في أحداث عائلة مارميلادوف، كانت شخصياتهم مصقولة، ليست كبقية الشخصيات الجانبية، وفي الرسائل اكتشفت أنه كان يكتب رواية اسمها (السكارى) تحكي معاناة عائلة مارميلادوف، ثم دمجها بالجريمة والعقاب.

ومن أجمل الرسائل تلك التي أرسلها إلى أخيه بعدما صدر العفو عن إعدامه، والحكم عليه بأربع سنوات في سيبيريا، والرسالة التي كانت بعد خروجه من السجن، يصف فيها أحداث ذهابه، كانت رسائل رائعة ليست بأقلّ من كتاباته الروائي..

تعليقات

  1. بحب دوستويفسكي ورواياته .. بشعر فيها كأنه يحدث نفسه .. وإن كنت رح أوصفه ف هتكون عاشق معذب هو الي بتبادر في ذهني فكل مرة أقرأ له ولا أعلم لماذا

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...