التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الترحيب بكم، وبداية قصة القراءة

لا بدّ أنك تعرفني إذا كنت وصلت إلى هنا، فهل أزيدك تعريفًا بنفسي؟

   أنا خالد، كنت أحب المفاخرة بالشعر فأقول: الشعرُ مني وفؤادي يكنزه، ولكن هذا عهد ولّى، ولم أعد أحب إظهار نفسي شاعرًا، ولا غير شاعر، وإنما أنشأت هذه المدونة لأكتب فيها بغير قيد يقيّدني كما هو الحال في برامج التواصل الإجتماعي، هذا يقيّدك بمئة وأربعين حرفًا، وذاك يقيّدك بصورة، أريد أن أكتب هكذا حرًا، أريد أن أكتب بحيث لا يقرأ ما اكتب أي شخص عابر، بل خاصة ممن يريدون قراءة كتاباتي، وهم قلة، أو منعدمون، وما دمت وصلت هنا، فأنت من القلة الذين لا أكاد أراهم في حياتي، حياك الله في أعلى مكان من قلبي.

   تعلم عزيزي القارئ أنني محب لجمع الكتب وقراءتها، وقد بدأت هذا التوجه منذ كنت صغيرًا، ولكنّي تلكأت سنوات كثيرة عن القراءة، نقول خمس أو ست سنوات كنت أشتري فقط، ولم أقرأ كتبًا بشكل مكثف قبل جمعها، بدأت بقراءة هاري بوتر عندما كنت في العشرين، وانطلقت بعدها.

   إن كنت أريد تذكر أول كتاب اشتريته فكان أيام المتوسطة حين أخذونا برحلة إلى معرض الكتاب، اشتريت وقتها كتاب نكت، كتاب مليئ بالنكت التي لا تضحك أحدًا، وأذكر اشتريت كتاب: تعلم الصينية في 7 أيام، وصرت أبحث عن الشتائم وأشتم بها أبناء صفّي، أذكر منها كلمة: دجو، بمعنى خنزير، عموماً؛ انقطع "بناء المكتبة" إلى يوم سافرت أول مرة إلى المدينة، فأدخلونا مكتبة، وكنت حينها بدأت أميل إلى الشعر، كان عمري ثلاثة عشر عامًا، فاشتريت ديوان علي رضي الله عنه، بطبعة دار المعرفة، وفي الثانوية، بالتحديد عندما أصبح عمري ستة عشر عامًا، توجهت للشعر بشكل كليّ، فصرت أشتري دواوين الشعراء، بما تيسر من طبعات، وتعلمت بعد ذلك عن الطبعات، وأن منها الجيد ومنها السيئ ومنها ورق عليه لطخات حبر.

  وهكذا بتّ أشتري الكتب وأكدسها، ولم أكد أقرأ كتابًا كاملًا حتى بلغت العشرين، وقرأت هاري بوتر، وكان استرسال القراءة معينًا بحول الله على تصور طبيعة القراءة، وجعلت بعد ذلك أقرأ كتب اللغة ودواوين لشعر.

   ونقطة التحول الثالثة كانت مع تقبل الراويات، كنت أكره الروايات كرهًا شديدًا، لسوء اللغة فيها، فأشار علي أحد الإخوة أن أقرأ الجريمة والعقاب، فاشتريتها بترجمة سيئة، وقرأت منها وانسجمت، لكن ما أطلت حتى تركتها، عرفت أنها ترجمة مجرم لا مترجم عندما قارنتها بترجمة الدروبي، ما ترجمه الدروبي في مئة صفحة كشطه ذاك المترجم بثلاثين أو أربعين صفحة.

   وفي الجامعة في فراغ بين محاضرتين، حاولت قراءة كتاب معقد، فكان الأمر غير عملي، فقلت لم لا أقرأ الآن الروايات؟ وكنت علمت أن ساميًا الدروبي هو أفضل مترجم، فتتبعت ترجماته واشتريت ما تيسر لي منها، أذكر منها:

ابنة الضابط لبوشكين

بطل من هذا الزمان لليرمنتوف

الفقراء لدوستويفسكي

القوزاق لتولستوي

جسر على نهر درينا لإيفو أندريتش (هذه الرواية لم أفتحها إلى الآن)

وقرأت أول رواية بعد هاري بوتر، كانت رواية ابنة الضابط لبوشكين، فكانت بوابة إلى قراءة الروايات، وبوابة إلى التعلق بالأدب الروسي في القرن التاسع عشر.

أتوقف هنا، وأكمل لكم في مقالات أخرى إن شاء الله رحلاتي القرائية.

تعليقات

  1. بوركت أخي خالد
    مشكلة يقع فيها كثير من محبي القراءة في أي فن من الفنون، الا وهي أن يبدأ بكتاب فلا يكمله ، أو حفظ قصيدة فلا يتمها ، فما حلها ؟

    ردحذف
    الردود
    1. هذا يرجع للشخص نفسه، يجب أن يصبر ويتحمل، ويحاول يبتكر طريقة تطرد عنه الملل إن كان هذا سبب عدم إكماله الكتبَ.

      حذف
  2. بعاني مع مهارة القراءة وادخالها بروتيني اليومي وكنت حسيت إنها هبة .. لكن جميل مشاركتك بقصتك الشخصية مع القراءة. اعطتني أمل أن أصبح جزء من مجتمع القراء .. وقد بدأت ب تكوين روتين قراءة عن طريق روايات دوستويفسكي

    ردحذف
    الردود
    1. استمع لحلقات بودكاست (مشكلات القراءة) لعبد الله العجيري

      حذف
  3. غير معرف29/4/25 12:27 ص

    كنت أظن أن الإهتمام بالأدب الغربي يضعف جانب الأدب العربي عند الشخص هل هذا صحيح؟
    وأيضا أقول في نفسي أنّ في أدبنا العربي غُنية عن غيره .
    وأخيرا هل تُعتَبر المقامات مثل التي للحريري من فنّ الرواية مثلها مثل الروايات الأعجمية ؛ فإن كان ؛ فهل الفرق بينها وبينهن في المستوى البلاغي واللفظي فقط ؟

    ردحذف
    الردود
    1. وقد رأيت من عكف على الأدب العربي وغض مما سواه "تعرُّبًا" فتمخّضَ جملُه عن فأر، أما مقامات الحريري فليست كالروايات فلا تنعقد المقارنة، والناس تسأل كثيرًا عن مقامات الحريري عند الكلام على القصص والروايات، وهذا دليل على أنهم فهموا المقامات فهمًا خطأ، فالقصة في المقامات ليست أصلًا، القصة بهارٌ على المقامات وليست هيكلَها.

      حذف
  4. لاحظت فيك حبا للعصر الرومانسي.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...