التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضحوةُ ليلة السأم الخَلّاقة

ضَحْوة ليلة السأم الخَلّاقة


اطلعتُ البارحة لأختار كتابًا خفيفًا لأقرأه على خمسة كتب: منتصف الشتاء في وادي المومين، ولاعب الشطرنج، والليدي سوزان، والليلة العجيبة، يوم الاثنين أو الثلاثاء. واليوم أكملت الاختيار بالاطلاع على ثلاثة كتب أخرى.

الكتاب السادس: تربية النحل حسب صمويل بيكيت، لمارتان باج، شدّني لهذه الرواية ثلاثة أمور: الغلاف الجذّاب، والحجم الخفيف، والموضوع المتمحوّر حول كاتب مشهور، فقد قرأت قديمًا رواية: ساعي بريد نيرودا، وكانت رواية جميلة لتعلّقها بالشاعر التشيلي بابلو نيرودا، وأذكر أنني اشتريت الرواية في معرض الكتاب كنت واقفًا عند دار المتوسط أتحدث إلى أحد أصحابي عن حبي لهذا النوع من الروايات، وكانت البائعة تستمتع لحديثنا دون أن أعلم، فدخلت بيننا وقالت: لدينا كتاب من هذا النوع، وأخرج رواية: تربية النحل حسب صمويل بيكيت.

الرواية مسرودة على أسلوب اليوميات، باحث دكتوراه في الأنثروبولوجيا تُسرق محفظته، فيصادف وجوده أمام مكتبة، فقال له صاحب المكتبة: لدي عمل، الكاتب صمويل بيكيت يحتاج لموظف يعينه على أرشفة أوراقه. وتبدأ هنا القصة حين يلتقي بصمويل بيكيت ويصفه ويصف تحركاته وأفكاره عن الكتابة، هذا مطلع الرواية وأجواؤها، جميلة حقيقة.

الكتاب السابع: مارك توين: سيرة ذاتية، قرأت بداية هذه السيرة، وأصنف الكتاب -إذا استمرّ على هذه الوتيرة- من الكتب اللذيذة! كتاب خفيف لطيف، ومطبوع بحجم للجيب من دار كلمة، وفي أول عشر صفحات ظهرت روح مارك توين المرحة، التي ذكرتني بإبراهيم المازني، وكان المازني مولعًا بمارك توين، وترجم له، وسرق منه!

من اللطائف وأنا لم أقرأ سوى عشر صفحات، قال توين:

كثيرًا ما قيلَ لي إني كنتُ طفلًا عليلًا ضعيف الجسم، متعِبًا لمن حولي، لا يستقرّ لي وضع على حال، وإني كنت أعيشُ في الدرجة الأولى على الأدوية في السنوات السبع الأولى من حياتي. ذات مرة سألتُ والدتي عن هذا الأمر، وكانت وقتها عجوزًا في الثامنة والثمانين، قلت:

  • أظنّ أنك كنتِ طوال ذلك الوقت خائفةً وقلقةً بشأني؟
  • نعم، طوال الوقت.
  • كنتِ تخشين ألا أبقى على قيد الحياة؟

بعد صمت وتفكير قالت:

  • بل كنتُ أخشى أن تبقى.

الكتاب الثامن: تحريّات أكيشي كوغورو، لإيدوغاوا رامبو، قصص قصيرة بوليسية، كتبها تارو هيراي، وسمى نفسه إيدوغاوا رامبو محاكاة لاسم كاتبه المفضل إدغار آلان بو.

لعل هذا الكتاب أقل الكتب التي شدّتني، القصة الأولى للمتحري أكيشي كوغورو، بالمناسبة من هذا اقتبس غوشو أوياما في المحقق كونان اسم موري كوغورو أبو ران، واقتبس اسم إيدوغاوا كونان من دمج اسم إيدوغاوا رامبو وآرثر كونان دويل مؤلف مغامرات شارلوك هولمز، والدكتور أجاسا ممن؟ صحيح؛ أجاثا كريستي! مقهى بوارو أسفل وكالة موري للتحريات، وغير ذلك، لو بحثتم في كونان ستجدون كثيرًا من هذه التضمينات.

تبدأ قصة تحريات أكيشي كوغورو -التي لم أكملها لأنها تقع في ثلاثين صفحة والقاعدة أني لا أتجاوز عشر أو خمسة عشر صفحة- بالراوي الذي يتحدث عن شخص قابله في المقهى، غريب أطوار له خيال بوليسي، وأن صديقة طفولة هذا المحقق تزوجت بصاحب مكتبة صغيرة.

مرّ الراوي بهذه المكتبة فوجدتها مفتوحة ولكن لا أحد يبيع فيها، والوضع هادئ هدوءًا مريبًا، وانتظر نصف ساعة ولم يظهر أحد، ثم يدخل أكيشي كوغورو ويتجرأ بالدخول إلى البيت فيجدون جثة مطروحة.. توقفتُ هنا ولم أكمل، ربما أكملها لاحقًا. بودي لو أشير هنا إلى لمحة تُحسب لإيدوغاوا رامبو

جميل، بعد أن اجتمع عندي تصوّر عن الروايات الخفيفة التي اخترتها، وهي ثمانية، الكتاب التاسع ألغيته، كان كتاب: أزهار عباد الشمس العمياء، بعد أن تصورت هذه الكتب جعلت أختار بطريقة الترند المشهور في التخيير، تختار واحد أم اثنين؟ واحد، واحد أم ثلاثة؟ ثلاثة، ثلاثة أم أربعة؟ ثلاثة، وهكذا، فوقع الاختيار في النهاية على.. (صوت طبول تشويقية) رواية الليلة العجيبة لستيفان زفايج! متحمس للرواية، لم يخيّب زفايج ظني قط، ولم أتحاوز رواية من رواياته يومًا.

تعليقات

  1. غير معرف21/6/25 12:58 ص

    ما رأيك بأن تكتب قائمة 10 كُتب او ايًا العدد البسيط من المجلدات التي تنصح بها وترى فيها ضرورة قصوى للإطلاع! ارى لك تأثير ايجابي في مجتمع القراء وفقك الله

    ردحذف
    الردود
    1. كتب كُثُر مثل هذه القوائم، فما كان تأثيرهم في العالم؟

      حذف
  2. غير معرف21/6/25 4:31 م

    ما هي هذه الطريقة لم أفهمها: "بطريقة الترند المشهور في التخيير، تختار واحد أم اثنين؟ واحد، واحد أم ثلاثة؟ ثلاثة، ثلاثة أم أربعة؟ ثلاثة، وهكذا"

    ردحذف
    الردود
    1. طريقة في الاختيار، تَعرض فيها العناصر على بعضها اثنين اثنين، وتختار حتى يبقى معك عنصر واحد هو الخيار الأمثل بالنسبة لك.

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...