التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غباوات القاضي المتلون

 غباوات القاضي المتلون

غباوات الإنسان لا ينتبه إليها، وتراه يضع لنفسه حدودًا وقواعد لم تُختبَر إلا أنه يعاملها معاملة المسلَّم البَدهي، وهذا من قلة إنصافه لنفسه.

وقد يقع هذا من الخلط بين الذوق الشخصي والقاعدة الحياتية، تجعل من ذوقك الشخصي قاعدة وقانونًا على حياة غيرك، وهو يفعل ذلك معك أيضًا، فيختلط الحابل بالنابل..

وكنتُ أقول لنفسي: هل مثل هذه الغباوات هي من حاجة إلى السيطرة أم غفلة لم ينتبه إليها الإنسان؟ أتفهم الأولى؛ لأنها قائمة على نهج معيّن، يكون فيها المرء قاصدًا يعي ما يفعل، يعلم أنه مخطئ، ولكن يستمر في إطفاء شمعات من يخالفه لتبقى شمعته الوحيدة في الظلام العام، ولكن لا أظن الناس يغلب في أخلاقهم هذه السيطرة، فيترجح أنها غفلة، غفلة لا يُعذر فيها الإنسان.

حقيقة التزيي بزي قاضي الوجود، وأن يحكم الإنسان مهما بلغت دقته أو جِلّته على صواب سلوك أو ذوق، وجور سلوك أو ذوق = هو في أعلى مراتب التَوَهان الفكري، لأن هذا الإنسان يرى اليوم خلاف ما كان يراه قبل عشر سنوات فتغيرت نظرته في أمور شتى، وثبتت نظرته لنفسه أنه المكلف بتحديد الصواب بحسب ذوقه وما يفعله. أليس عجيبًا أن يعامل الإنسان لحظته الثقافية الراهنة، أو ما بلغه من ذوق، أن يعامل ذلك على أنه التجربة الكاملة، والخبرة التامة؟ هو لا يعلم أنه يفعل ذلك في كل مرة تتغير فيها نظرته للحياة والذوق.

أما ماضي هذا القاضي المتلوّن فيراه مجرد أخطاء تجاوزها بعد أن صقلته الخبرة، ويرى أخطاء غيره التي ستكون "مواضيهم" يومًا ما، يراها أخطاء تهدد الذوق الإنساني، والعقل البشري، يا لله ما أظلمهم، يجب أن أنقذ النوع، سوف أرميهم عن قوس واحدة لكي يروا أن السيارات الحمراء خير من البيضاء!

يرى هذا القاضي المتلوّن أن قصة تراكم خبراته هي قصة البطل الناجي من وعثاء الآراء والأذواق، أنه مجرى النهر الذي تشكل حتى صار المثال الأعلى السامي، وأن سواه من الناس تماثيل رخام لا تتغير على مر الدهارير، هو الحصن الأخير للعقل والذوق، المدافع الأوحد عنهما.

أما إذا التفت هذا القاضي إلى الثقافة والقراءة، فلا أريد أن أريَك رُعب المشهد، سترى رجلًا يحتقره كل أحد، ويستصغر كل أحد، مادة للسخرية، ينطق بالمصلحات الغريبة ظنًا منه أنه دقيق اللفظ، عميق المعنى، وما هو بذاك، ويهزأ الناس به ولكنه يتعالى على سفاسفهم، ويراهم مجرد قطيع خلف عاداتهم الموروثة، ولو نظر لرأى أن العادة البالية كانت يومًا ما فكرة جديدة، وأن أفكاره الجديدة ستكون يومًا ما عادة بالية.


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة رواية: أوليفر تويست - تشارلز ديكنز

  أوليفر تويست تشارلز ديكنز الصفحات: 576 التقييم: ★ ★ ★ ★ ✩ أول قراءاتي لتشارلز ديكنز، ولا أدري إن كان سيتجاوز نفسَه في رواية أخرى أم لا، ربما يفعل في ديفيد كوبرفيلد. تبدأ الرواية في ذِكر مولد أوليفر تويست، ثم تجمع الروايةُ قبضها وتلكمه وتلكمه حتى تقول في نفسك: هيه! ما هذا المخلوق المسحوق!

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قصة الشعر (4)

    قصة الشعر (4) ما زلتُ أكتبُ كل يوم، كل يوم بيتًا أو بيتين، أو قصيدة أو قصيدتين، كنتُ أكتب الشعرَ أكثر مما أقرأ من الدواوين، وهذا أبطأ تطوّري. وفي المرحلة الثانوية انتشرت أبيات لا معنى لها، تُقال للإبهار، وقد نسيتها الحمد لله، فأردت أن أبهر زملائي أكثر وجعلت أبحث عن قصيدة غريبة، فوقعت اتفاقًا على لامية العرب! وحفظت منها قوله: ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ .. وأرقطُ زُهلول وعرفاءُ جيألُ وهذه من أول الشعر الذي عرفته، ثم أخذت شرح المعلقات من مكتبة والدي، بشرح الزوزني، وفتحت من منتصف الكتاب فوقعت عيني على معلقة طرفة بن العبد، وأعجبني جَرْسُها وقافيتها، فكانت أول معلقة عرفتُها، وزادني حبًا لهذه المعلقة أنني فهمت شرح الزوزني لبيت طرفة: ووجهٍ كأن الشمسَ حلّت رداءَها … عليه نقي اللون لم يتخددِ فهمتُه ولم أجهد في ذلك، ولذا أقول أن شعر الجاهلية هو أوضح شعر، اعرف معاني الألفاظ فقط، ولن تعاني في معاني الأبيات. ولا بدّ لي من ذكر مواقع التواصل، بدأ الأمرُ في الفيسبوك في الأعوام ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢ تقريبًا، كل يوم منشورٌ فيه أبيات وليدة اللحظة، أبيات سيئة بطبيعة الحال، ولكن كل يوم! "وإنما السيل ...