التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة الشِعر (1)

 

قصة الشِعر (1)

تحدّثت في الأيام الماضية عن الروايات، اليوم عن قصتي مع الشعر -إن شاء الله- إن لم يجُرْ بي الاستطرادُ إلى غيره. الشعر صحراء كبيرة، بحرٌ محيطٌ لا ساحلَ له، وكلّ من ادّعى إحاطته بدقائق الشعر فهو كاذب، لذلك لن أدّعي أنني عالمٌ به، وإنما أسوق لكم ما عانيته فيه.

حينَ أرمي بذاكرتي إلى أقصى ما أتذكّر عن الشعر؛ هو أني عندما كنت صغيرًا أسمع ألقاب الصحابة المضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: مؤذن الرسول، حواريّ الرسول، صاحب سر الرسول، فسألت والدي بعد تفكير: من شاعر الرسول؟ والعجيب لي أنه كان لهذا السؤال الذي لم أسمع بأجزائه من قبل إجابةٌ! حسان بن ثابت -رضي الله عنه-

هذا أقدم ما أذكره من الوعي بوجود شيء اسمه شعر، بعد ذلك صرت أرى الشعرَ نوعًا من العلوّ ذي البريق الجميل، ومع وجود الاناشيد "الإسلامية" تبلور عندي إدراك الوزن، لأن الأوزان هي إيقاعات تُلتَزَم في الكلام، والأناشيد إيقاعات توضع على الأشعار، وكنت أحب الأناشيد ذات الإيقاع السريع، فهذا على هذا ومع مرور الوقت أدركت أذني الوزن وأنا لا أعلم، وكذلك يحدث مع غالب الشعراء، قلّ شاعرٌ يتعلم الوزن من غير فكرة سابقة.

ولذلك أنا لا احسن تعليم الشعر، بالأخص مع من يظن أن تعلم الشعر هو عبء الشيخ لا الطالب، فينتظر منك أن تُلقمَه العلم بملعقة، لا يعلم أن الشيخ ليس بيده إلا التوجيه، وعلى الطالب القراءة والعلم والتجربة وكل شيء، هذا غير من يأتي وقد لمعت في ذهنه فجأة أن يكون شاعرًا فيقول: كيف أكتب الشعر؟ فأسأله عن علوم اللغة العربية فأجده لا يعرفها، ويريد الشعر؟ هل تعلمون أن الشعر علم لا أهازيج؟ علم تبلغ أوله إذا أتقنت علومَ اللغة جميعِها، تبدأ عندها الخطوة الأولى في الشعر، وغالبًا ستخطو خطوتين أو ثلاث ثم ينتهي عمرك.  

سأختم هذه المقالة بقصة أول محاولة، وأول بيت موزون كتبته في حياتي: أول محاولة كانت يومَ زرت المدينة أول مرة، ودخلناها ليلًا، فظهر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم منيرًا بين الجبال، فجعلت أقلّب بيتًا أحاول كتابته، فكتبته غير موزون ولا معنى له وإن كنت حاولت التعبير عن شعوري بالهيبة لمرأى المسجد، والسكينة لدخول المدينة. وبعد أشهر أرسل إليّ أحد الإخوة رسالة فيها معاني الأخوّة في الله، فجعلت أقلّب بيتًا أردّ به عليه وكنت عرفت أن للشعر أوزانًا تسمى بحورًأ، وأن منها بحرًا اسمه الوافر، وعرفت إيقاعه، فكتبت على الإيقاع فأخطأت الوافر ومن توفيق الله أنني أصبت الكامل، قلت:

أنتَ الذي كالنجمِ حين تبرّقا .. واجتازَ ما بين البريّة وارتقى

بيت سخيف، ولكنه بداية على الأقل، وما زلت أنتظر الإجابة من ذلك الأخ، لم يجبني إلى الآن.


تعليقات

  1. غير معرف27/4/25 2:53 م

    لعل الرسالة لم تفطن لصاحبها
    فليس يلحقه منك نسيان
    إني للذكر الود تبذله
    لي ويشملني منك إحسان
    مالي أرى الصفو أصبحتُ أنكره!
    والود يجمعنا كذاك إيمان
    مالي أرى الجفا أضحت مخالبه
    تقطّع البين وإنا لخِلان؟
    أين الإخاء الذي قد كان يؤنسنا
    وكان يجمعنا برٌ وإحسان
    إني لأنكر الذي أنت تظهره
    من الجفاء وإن القلب حيران
    وأحمد الله أني لا أُعلّقه
    بكره فهو ذو الأفعال رحمان

    هذه أيضا من أول ما كتبت وأرسلتها لصاحبها فلم أجد ردا لكن يغنيني عنه فرحي بها ، وما زلت مبتدئا صغيرا فأرجو التوجيه والإرشاد.



    ردحذف
    الردود
    1. يجب أن تتعلم علم العَروض

      حذف
    2. غير معرف28/4/25 7:36 م

      بيني وبينك علم العروض امتع علوم العربية لكن مشكلته ما اخذ حقه بالتعليم
      شف قناة لسان مبين علم العروض للدكتور محمد العمري , اول ثلاثة حلقات من المستوى الأول تمهيد ثم تطبيق غنائي على البحور , اغلب الحلقات ما تنقص ولا تتجاوز ال10 دقائق وتقدر تسمعها بالسيارة وتردد معه و تقدر تخلصها بيوم كامل

      حذف
  2. غير معرف27/4/25 2:56 م

    تعديل :
    ** إني لأذكر الود تبذله **
    ** إني لأنكر ما أنت تظهره **

    ردحذف
  3. غير معرف27/4/25 6:01 م

    (نوع من العلو ذو البريق الجميل)

    تعريف رائع لامس ما بخاطري ونطق عما في نفسي عن الشعر صدقا.

    ردحذف
  4. الله الله... الآن عرفت بداية شاعرنا :)
    أنا من الذين لما أرادوا كتابة الشعر تعلموا البحر أولا، علمني أخي البحر الكامل لما تعلم هو العروض، ثم صرت أركب الكلام حرفا حرفا ليستقيم لي الوزن، إلى أن استوت أذني إلى سماع الإيقاع الحمد لله، لكن وجدت أني لست بشاعر. وكان أول ما حاولت نظمه هو بيت نسيته لكن كان شطره الأول بسملة والثاني صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أردت البركة بذلك.
    ثم بعدها كان أكثر ما كتبت غزلا ^_^ ... المهم أنه ليس أول القصيدة كفر كما نقول.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...