التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة الشعر (2)

قصة الشعر (2)

نكمل من حيث وقفنا في قصتي مع الشِّعْر، حيث أرسلت بيتي الأول إلى من لم يردّ عليه، ولعله لم يقرأه، لا بأس، تركت الشعر وقتها سنةً أو تزيد، ثم لا أذكر بالضبط تفاصيل ما حدث، هل اهتممت بالشعر، أم أنني وصلت لهذا الحدث فجأة لا أذكر، وذلك؛ أنني كنت في اختبار من اختبارات المرحلة الثانوية، فجاء سؤال بهذه الصيغة: اذكر ضدّ (الحسن) في جملة من إنشائك. فأردت أن أجعلها بيتًا لا جملة فقط، فكتبت بيتًا على الوافر كذلك، وكان على الوافر، فقلت:

يعايرُني الزمانُ بقُبْحِ وجهي ... ولولا القبحُ لم يُلَد الجمالُ

هذا البيت هو الذي كتبته، وكتبته على يدي كي لا أنساه، وخرجت سعيدًا لأخبر من حولي عنه.

أخبرتهم واحدًا واحدًا، وبعد يومين، قلت لأحد الإخوة كان مهتمًا بالشعر، وكنت أراه أعرف مني به بطبيعة الحال: لقد صرت شاعرًا، وأخبرته بالبيت فنظر إلي نظرة المستسخف وقال: يُعايرني؟ قل يعيّرني! ولم يُلَد؟ خطأ! قل ما وُلدَ. كان نقده مصيبًا وتصويبُه صحيحًا، فصار البيت:

يعيّرني الزمان بقبح وجهي ... ولولا القبحُ ما وُلِدَ الجمالُ

ومن بعدها انطلقت في عالم الشعر، قراءة وكتابة، وكانت المحاولات سخيفة لثمانية أعوام، ثم بدأ يخرج من قريحتي شعر يُسمَع ولا أقول جيد، وهذا مستمرّ إلى اليوم، وهذه نظرتي لشعري أنه يُسمَع مرةً واحدة، ثم يُرمى.

في المرحلة الثانوية كنت متلعقًا بنونية القحطاني، فلم أكن أكتب إلا على بحرها وقافيتها وموضوعها في وصف الجنة والنار، تخيلوا ثلاثة سنوات لا أكتب غير هذا! وكله ركيك، ثم اتجهتُ للغزل، وأذكر أول شطرًا مما كتبته أول مرة في الغزل:

في ساعة وتبيع الخبزَ بالعسلِ

من هذه؟ وماذا تفعل؟ لا أعلم!

وأذكر من الأبيات القديمة جدًا التي تُستساغ قولي:

وصافحتُ الحبيبَ فلستُ أدري ... أكفًا قد لمستُ أم السحابا

الله المستعان، كنتُ وحيدًا في حب الشعر، هكذا أراني عندما أنظر بعد خمس عشرة سنة، كنت أظن الناس يحبون الشعر كما أحبه، فأسمع الجميع جديد ما أكتب، ويتبيّن الآن لي أني كنت وحيدًا في تعلقي بالشعر، وإحاطة نفسي بالقوافي والمعان كتابةً وقراءةً، وقد أصبحت الآن لا أُنزل شعري منزلةً ألقيه على أذن أحد، أترفّع جدًا عن الناس حين يتعلق الأمر بشعري، صار أنفسُ عندي من كلّ نفيس.

صرتُ اليوم من شروط إلقائي لشعري عند أحد ألا يتكلم أحد من الحاضرين ولا يتحرك ولا يسرح، فإن فعل أحد -ولو لم يكن مستمعًا- قطعت إنشادي وامتنعت.

الحمدلله الذي هداني للشعر، فأصبحت بعد هذه الأبيات الركيكة أقول:

وما كان بيني يومَ جرعاءِ مُشرِفٍ ... وبين سكون النفسِ إلا سلامُها

غفرَ الله لها، ألا ردّت التحية؟ فما زلت أخبط في حياتي منذ ذلك اليوم بجرعاء مُشرف، فلا الليل ليل، ولا النهار نهار، على أن للنهار فسحة تطرح فيه العين طرفها.


تعليقات

  1. عصف الهوى من بعد عام
    مثله من قبل عام

    يا حبها ماذا تهز
    وإنما بقي الحطام

    "لولا هوى من لا يحبك
    لم يكن شعر الغرام؟!"

    هبني هواها لي وخذ
    شعري جميعا، والسلام!

    ردحذف
  2. غير معرف1/5/25 8:43 م

    المعذرة أستاذ خالد ألا تنشئ قناة خاصّة بشعرك؟ تجمع فيها القديم والجديد، هناك أبيات لك كانت في قناتك القديمة "خالد" وأبحثُ عنها للآن لم أجدها، ومنها:
    "متعبٌ مرهقٌ كثير التشكّي
    ليس يدري إلامَ يسعى حثيثا" أو نحوه.

    ردحذف
    الردود
    1. لا تتحرّك نفسي إلى ذلك.

      حذف
    2. غير معرف3/5/25 6:16 م

      رجاء فكّر بالأمر بارك الله عمرك.

      حذف
  3. على أن للعينين في الصبح راحة
    بطرحهما طرفيهما كل مطرح

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...