التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفانتازيا الفاتِنة

 الفانتازيا الفاتِنة

استبدّ بي حماس على القصص الواضحة، قصص الأميرة المخطوفة التي ينقذها محارب من عامة الشعب، ثم يتزوجها في النهاية. هذه القصص كقصص ألعاب Dragon Quest يكون فيها الخير والشر واضحَيْن، كتبايُن الأبيض والأسود، والأحمر والأخضر، والعالم مليء بمخلوقات خيالية، هذه العوالم تفتنُني جدًا، عوالم الفانتازيا من غير تعقيد.

ومما يفتتني أيضًا في هذه القصص المخلوقات التي تدخل في الأحداث اليومية للأبطال، مثل طائر Chocobo في سلسلة Final Fantasy، وهو وسيلة التنقل الفردية، يحلّ محلّ الحصان، وهو طائر يشبه النعامة، لونه أصفر فاقع في الغالب، ويكون بألوان غير الأصفر، محبوب عند الناس للطافته وصوته وحتى الموسيقا المُبهجة التي تشتغل عند ركوبه. هذا الطائر صار أيقونة Final Fantasy لأنه موجود بجميع أجزائها وعوالمها والناس تحبّه.

وكذلك القُرى والقلاع والدساكر، والسوق وما فيه من صنائع المعدّات والأسلحةِ والعقاقير، ومراسم التتويج أو الاحتفالات الشعبية، كلّ ذلك غِنًى يفتنُ القارئ أو اللاعب.

بناء عالم فانتازي سلاح ذو حدّين، لأنك إذا بسطته جدًا فَقَدَ جاذبيته، وإذا عقدته جدًّا صعب فهمُه، فيجب أن تجد المعادلة التي في الوسط، المعادلة التي وجدَها تولكين في سيّد الخواتم، أو ج.ك رولينج في هاري بوتر -إن أردت فانتازيا عَصْرية-.

تستطيع أن تستعمل المخلوقات المعروفة كالغوليم والغريفين والتنين، وتستطيع تأليف شيء من جديد، وتستطيع الاستلهام من الأساطير الشعبية، مثلًا؛ عند العرب عَنْقاءُ مُغرب، وهو طائر عظيم جدًا، له ستة أجنحة، وأربعة أرجل، وعندهم الغُول وهي مخلوق يتشكّل بصورة امرأة حسناء تُغري الرجال، فإذا اقترب منها تغوّلت وصارت عجوزًا يخرج النار من أنفها وفمِها، فإذا أردت قتلها فاضربها ضربةً واحدة، فسوف تقول لك: اضربني الثانية وأجهز علي، فإذا تركتها ماتت وإذا ضربتها ضربة أخرى عاشت ولم تمت. وقد قاتلها تأبط شرًا ليلًا، فصَرَعها ثم اتكأ عليها ليراها في الصباح، فلما أصبح رآها لها وجه قطّ قبيح مشقوق اللسان، وساقان كساقَيْ الطفل المُخدَج (الذي وُلِد قبل أوانه) ورأسها من الخلف كرأس الكلب، وجلدها متغضّن كالقربة البالية، وصفها في أبياته التي مطلعها:

ألا من مُبلغٌ فِتيانَ فَهْمٍ

بما لاقيتُ عند رَحى بِطانِ

ولديّ بيتٌ طريف قلتُه قديمًا:

جِئني بمن قرّ عَينًا في الهوى زَمَنًا

آتيكَ يا صاحِ بالعنقاءِ والغولِ

فهذه مقالة اليوم، ومن يعلم لعلي أكتب رواية قصيرة فانتازيّة.

تعليقات

  1. مَشرَفِيُّ ٱلدَّولَةِ عَلِيّ ٱلْرِّضَا ٱلْحَمْدَانِيّ19/5/25 1:59 م

    مَقَالَةٌ جَمِيلَةٌ بَسِيطَةٌ وَلَعلَّ البَيتَ الَّذِي كَتبَتَهُ أَضَافَ شَيئًا جَمِيلًا لَهَا، مِن المُمكِن أَن نَقرَأَ رِوَايَتَكَ إِن كَتَبتَهَا بِإِذنِ اللّٰهِ 👀

    ردحذف
  2. غير معرف19/5/25 2:11 م

    خطر ببالي وانا اقرأ "تنانين فرسان قرية بيرك"... فانتازيا من النوع اللي يحاول يكون عظيم بس يطيح في فخ المبالغة. دراجونز بكل زاوية، دراما مفتعلة، وأحيانًا تحس العالم مفرغ من أي شي غير تنين وصراخ.
    هو ممتع كبداية، خاصة لو كنتِ من جمهور الفلم الأصلي، بس بعد فترة تحس إن الفانتازيا فيه تصير فنتازيا بلا روح: التنانين كثير لدرجة يفقد الواحد الحماس، وكل حلقة غالبًا تنتهي بنفس الطريقة، وتحسين العالم مبني بس عشان يخدم الفكرة العامة (التنين صديقنا) بدون تعقيد أو عمق كبير.
    الكلام اللي قلته عن تبسيط أو تعقيد العالم جدًا كان دقيق — وفعلاً، لقيت هالشي واضح في الفروقات بين فانتازيا مثل فاينل فانتسي وفانتازيا كرتونية زي بيرك.

    ردحذف
    الردود
    1. غير معرف19/5/25 2:16 م

      من مخاطر الكتابة بدون نظارة:
      أنثتك عن طريق الخطأ
      *كنتَ
      والله ما كان علي اتفلسف واكتب بالتشكيل

      حذف
    2. غير معرف19/5/25 6:22 م

      ليتها وقفت على كنتِ «تحسين» هذي بغت تصرعني الله يهديك ههههههههههههههههههههههه

      حذف
    3. نعم، الفانتازيا من التصنيفات الكبيرة، ألف فيها كثر، وصعب وجود كتابة مُحكَمة فيه.

      حذف
  3. ما رأيك استاذ خالد بسلسلة فانتازيا للدكتور احمد خالد توفيق
    انا من الان انتظر روايتك اسئل الله لك التوفيق

    ردحذف
  4. غير معرف19/5/25 3:42 م

    يا شيخ قد أصبت عين الصواب في مقالتك غير أن عوالم تولكين (بمختلف العصور خاصة العصر الأول) ليست بسيطة إطلاقا ، بل هي من أعقد الروايا نظرا لشخصياتها الكثيرة جدا و عالم واسع جدا و معارك ضخمة .

    ردحذف
  5. غير معرف19/5/25 3:49 م

    ولو أن هذا اللون من الكتابة- بالمجمل الأعم - يروق لليافعين أكثر من غيرهم وهم من يقيمون سوقه ويقعدونه، إلا أني أرى في مهمة كاتبها مهمة بالغة التعقيد. فكاتب الفانتازيا هو كمن يحاول أن يتخيل لونا أو شكل حيوان جديد كلياً، لم يسمع به أحد من قبل، ولا ان يكون مزجاً واضحا مملا بين شيئين أو أكثر مألوفين. لذا ترى بأن الساطعة أسماؤهم من كتاب هذا اللون معروفون للجميع وهم بنظري من نقوة القراء لأنهم لا يمكن أن يعولوا على مخيلتهم اليقظة الولادة فحسب وإنما أيضا يمتلكون اضطلاعا واسعا بالتاريخ والجغرافيا والعلوم وعلوم اللغة والهندسة وغيرها...

    ردحذف
    الردود
    1. الكاتب يستطيع تسخيفه إذا فكر باليافعين، ويستطيع إحكامه إذا احترم نفسه وكتب بفن عال، كما فعل تولكين وكما فعلت ج ك رولينج

      حذف
  6. غير معرف19/5/25 4:49 م

    مقالاتٌ جميلة وشاعرية، أثق تمام الثقة أن الرواية ستكون كذلك، لذا أدعم الفكرة، وسأكون أوّل القارئين.

    ردحذف
  7. حين قرأت كلماتك، أحسست أني أمام قلمٍ لا يكتب بالحبر، بل يكتب بروحٍ شاعرة، وعقلٍ موسوعيٍّ يُمسك بخيوط اللغة كأنها خيوطه هو. ما بين وصفٍ أسطوريّ يضجّ بالحياة، وبيتٍ شعريٍّ راسخٍ في جماله، ثم ختامٍ بمقطوعة وجدانية تفيض شجنًا — شعرت أنني لا أقرأ، بل أتنفّس أدبًا خالصًا، وعذوبةً تنساب من بين السطور.

    بيتك: "ما حَنَّ قَلبي إِلى شَيءٍ سِواكِ وَلا
    نَظَرتُ مُذ غِبتِ مِن عَيني إِلى حَسَنِ"

    بيتٌ فيه من رقّة العاطفة وصفاء الحب ما يجعل القلب يخشع قبل العين. لله درك! لقد جمعت في مقالك هذا بين الفانتازيا الساحرة، والوجدان العميق، واللغة الرفيعة.

    وها أنا ذا أقول فيك، مدحًا صادقًا من القلب:
    قَلَمٌ رَفِيعٌ يُجتَنَى مِنهُ النَّدَى
    وَمَآثِرٌ تُحكَى تُثَارُ بِهَا الحَشَى

    لِلَّهِ دَرُّكَ مَا أَشَدتَ وَأَبدَعَت
    عَبَرَاتُكَ الفَوَّاحُ مِنهَا ذَا الشَّذا

    ردحذف
  8. غير معرف19/5/25 9:51 م

    أنا جداً سعيده بك وبمقالاتك ، أدائك في الشعر والنصوص جميل جداً ، مميز في وقت يقل فيه المميزين ، ومن يحبون الشعر ، اما المقاله هذه جميلة جداً واتمنئ ان تستمر دائماً ( عالم الفنتازي كبير ومثير للإعجاب) احياناً الخيال أجمل من الحياه الواقعيه ( لربما يأتي اليوم الذي نراك من أكبر الگتاب في أدب الفنتازي والشعر والنصوص انا علئ يقين في ذلك .

    ردحذف
    الردود
    1. سلمك الله، فعلًا عالم الفانتازيا كبير ومتشعب، ويحرك جانب الخيال في الذهن، هذا الجانب الذي عطله أكثر الناس بعذر النضج.

      حذف
  9. غير معرف21/6/25 6:37 ص

    دراجون كويست وفاينل فانتسي !
    طلعت ذويق حتى بالالعاب

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...