التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جَميلة

جَميلة

لو سألتني يا أخي عن جمالها، فربّما اجتلبَتْ العينُ بما ترى من جمالٍ حُبًا معلقًا بهذه العلة، علةَ الجمال، ثم سيُقال: لا تفرح، سيأتي يوم تعفو على هذا الجمالِ رياح السنين، حتى تُعيدَه غُبرةً لا شيء فيها.

صدق من قال ذلك لو قاله، غير أنها ليست جميلة!

نعم، قد عشتُ حياتي محللًا للجمال، سامعًا كلام الناس في تشكيله واختياره، وإن كانت معرفة الجمالِ تختلف بين عين وعين؛ إلا أن الذوق العامّ يجول في ميدان لا يخرج عنه، وهي ليست في ذلك الميدان!

إذن أنا أعلم أنها "عقلًا" ليست جميلة، لا لا.. الأمرُ ليس كَذا، إنها جميلة، بل بارعة، تبهرُ حتى يذهل القلبُ عمّا حوله! تخيل لو ظهرت الملائكة لحظةً لرجل، ثم قيل له صف جمال الملائكة، أكان يستطيع؟ وكيف يوصَف ما لا يُقاس عليه شيء فنقول كأنه كذا وكذا!؟

لا أعلم كيف أصف جمالها، جمال فوق الوصف، غريب أصيل، لا تُشبه بقية النساء، كأنّ كأس الحُسنِ مترعةً تتهادى حتى صُبّت عليها صبًا، فكان أجمل من القمر ليلة البدر، وأجمل منه حين يتغشاه السحاب فيُنير شيئًا قليلًا خلاله، أجمل من الشمس في صباح شاتٍ، أجمل من الندى على ثغر زهرة تُسلمُهُ إلى دمث تراب قطرةً قطرةً.

جمالٌ فريد عجيب غريب، لا يوفّيه إلا سؤال المازني:

"أنت إنسانٌ على فَرْطِ جمالِكْ !؟"

تعليقات

  1. غير معرف2/7/25 4:29 ص

    👏🏻👏🏻🌹

    ردحذف
  2. غير معرف2/7/25 7:58 ص

    أبدعت

    ردحذف
  3. غير معرف2/7/25 5:27 م

    مقالتك قطعة أدبية آسرة، تجتمع فيها لوعة التناقض وسحر البيان، تَحار فيها العقول بين نفيٍ وإثبات، حتى يغدو الجمال فيها لغزًا لا يُحلّ. الأسلوب فخم، مترع بالتشبيه البديع والصور الباهرة، تُلامس فيه بلاغة المازني وتستبطن روح التذوق الرفيع. غير أن التكرار الطفيف في مواضع، لو لُوِّن بصياغة أكثر تنوعًا، لأكملَ للمعنى بهاءه وللأثر صداه.

    ردحذف
  4. غير معرف2/7/25 7:44 م

    و لازالت الناس تلوم ابو نواس حينما قال:

    كيف التعففّ عن غزالٍ أحورِ
    قسمَ الحتوفَ بطرفِهِ السحّار

    ردحذف
  5. غير معرف3/7/25 12:27 ص

    🌹🌹🌹

    ردحذف
  6. غير معرف17/8/26 11:15 م

    هل جمال التعبير ينم عن واقع ؟ أو الخيال يمكن أن يؤدي لنفس الغرض ؟

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...