التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كافكايَ غيرُ كافكاهمْ

 كافكايَ غيرُ كافكاهم

قرأت لفرانز كافكا بعض رواياته الطويلة والقصيرة: رواية التحول، ورواية المحاكمة، وقصصًا قصيرة ترجمت بعضها كما رأيتم.. حقيقةً الحَقْل الذي يمشي فيه كافكا لا يعجبني من غيره، ولكن حينما أقرأ لكافكا أشعر أنني متقبل، كافكا يُبلّغك المعنى بوضوح، وهذه الفصاحة نادرة، لذلك لا أتقبل غيره يتحدث في هذه الأمور.

حين يقول في رسالته إلى ميلينا:

"لن تستطيعي البقاء بجانبي ليومين، أنا رخو أزحف على الأرض."

العلة غريبة، ما معنى "رخو أزحف على الأرض" ؟ بكلّ عفوية فسّرها كافكا فقال بعد ذلك: "انطوائي كئيب متذمّر أنانيّ سوداويّ"

فقوله: "رخو أزحف على الأرض" فيها مشاعر كثيرة جدًا من الكآبة واليأس من الحياة، والملل من النفس، ولوم النفس على ما أخطأت فيه وما لم تُخطئ.

بعض المعاني التي أقرؤها عند كافكا، أجدني كتبت مثلها قديمًا، مثلًا في رسالته إلى ميلينا قال: "لم أتمكن من أن أتذكّر وجهك، ولا تذكرت شيئًا من ملامحه بصورة واضحة، أذكرك فقط بينما كنتِ تبتعدين وسط مقاعد المقهى، هيئتك بصفة عامة، ثوبك… ما زلت أذكرهما."

وقلت:

وأُنسيتُ من فَقْدٍ ملامح وجهها

سوى ظلّ طَيْفٍ في ظلام الدجى يسري

مثل هذا التشابه غير المقصود يقرّبني من كتابات الكاتب، وهذا الذي كان مبدأ التفاتي إلى دوستويفسكي، حين قرأت (في قبوي) فوجدت فيه صورتي لو تطرّفت، فكان تنبيهًا لي ألا أستمرّ في طريقة تفكيري حتى لا أصير كبطل رواية (في قبوي).

وقرأت لكافكا رواية (المحاكمة) فشبهتها برواية جورج أورويل (١٩٨٤)، ربما يكونان ينطلقان من فلسفات متباينة؛ غير أني وجدتُ في الروايتين شعور الحبس، والقمع، وعدم وضوح الحقيقة، والإحاطة من كلّ جانب، ومحاصرة جميع الحلول، ولكنّي كرهت أورويل وروايته، وأعجبني كافكا وروايته.

وقرأت لكافكا (التحول)؛ هذه الرواية أكثر رواية سمعت بها في الجامعة، ولأني كنت طالبًا مُهملًا فإني لا أذكر لم كانت تُذكَر، ولا أعلم في أي سياق علمي يُستشهد بها، عمومًا كانت صورة كافكا فاسدة في ذهني، حسبته معقدًا، يكتب بكتابة حمقاء ككتابات الحداثيين، كتابة لا معنى لها، ثم قرأت (التحول) بعد سنوات من تخرجي، فرجدتها رواية طريفة، كابوسية نعم، فليس جميلًا أن تُصاحب بطلًا صحا من نومه فوجد نفسه حشرةً ولا يدري ما يفعل لهذه الظاهرة، وهمله ينتظره ومجتمعه يرقب خروجه من غرفته، نعم هي كابوسية ولكن فيها حوارات وأحداث جعلني تحيُّلُها أضحك.

وترجمت لكافكا قصصًا قصيرةً، منها قصة (بوسيدون) و(رسالة من الملك) هاتان القصتان صوّرتا يأسي من كلّ معاملة تحتاج توقيع المدير فلان واعتماد الجهة الفلانية، مما يجعلني مُجمَّدَ الحياة، لا أعرف كيف أتاجر أو أطبع كتابًا، ثَمّ لكلّ شيء تعمله ثمنٌ من التواقيع الرسمية، والختوم والأوراق، والبيروقراطية التي يتكلم عنها كافكا وينتقدها، هذا أيأسني من أن أجاري الناس في كل ميادين الحياة، ووجدتُ كافكا يصف المأساة البيروقراطية أدقّ وصف.

بودي لو أقول أن كافكا صديقي، ولكن من يتناقلون رواياته وأفكاره من جهة فلسفته الوجودية أو العبثية أو ما لا أدري من مَخْرقات الغرب يقرأونه بطريقة مغايرة جدًا لطريقتي، وذا ما يجعلني أتحفّظ دون قولي: كافكا صديقي. لا أريد أن أقف معهم على صعيد واحد، أنا أقرأ لكافكا من جهة الشعور المشحون في كلامه فقط، لا ألتفت لفلسفة أحد من العالَمين، هو صديقي بطريقة مختلفة عن بقية الناس.

تعليقات

  1. غير معرف16/7/25 6:03 ص

    "مما يجعلني مُجمَّدَ الحياة، لا أعرف كيف أتا رأو أطبع كتابًا، قمّ لكلّ شيء"
    ما المقصود هنا؟

    ردحذف
    الردود
    1. أخطاء مطبعية، عدلتها

      حذف
    2. غير معرف17/7/25 8:59 م

      كنت نشرت في القناة القديمة أن أي أحد يمكنه تسجيل الكتب بمعرفة النبرة المناسبة لصوته
      فكيف أعرفها؟

      حذف
  2. غير معرف16/7/25 9:39 م

    جميل جداً استمرّ في كتاباتك اتمنئ ان تكون كاتباً بالفعل

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...