التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ذكريات الجامعة ٢

 من ذكريات الجامعة ٢

لعلّي أشعرُ بنشوةٍ من الفَخْر حين أتذكّر أنني تخرّجت من كليّة الآداب في جامعة الكويت، لأنها اجتمع فيها علماء يضع لهم التاريخ جناحه.

أنشأ قسم اللغة العربية أساتذة في اللغة والأدب، فمن الكويت عبد الله العتيبي وعبد الله المهنا، ومن خارجها شيخ المحققين عبد السلام هارون وترأَّسَ القسم، ودرستُ عند د. عبد الله الغزالي وكان درس عنده، يحدثنا عنه يقول: "قرّر علينا في مادة النحو حاشية الصبّان. وكان يأتي قبل المحاضرة فيأمر الخادم بأن يعدّ له شاي كُشري ويجهّز غليونه، حتى إذا انتهى بدأت المحاضرة." المادة التي درستها عند د. الغزالي هي (الأدب المملوكي والعثماني).

كانت هذه الشُعبة من أعجب الشُعَب، كنّا أربعة طلبة وخمس عشْرة طالبة! قرّرَ علينا كتابه في الأدب المملوكي والعثماني، ولم يكن أحد من الطلبة يحسن القراءة السليمة غيري والشاعر رجا القحطاني، وطالبتَيْن لو شئتُ أن أسميهما لفعلت.

أنا لا أحبّ هذا الأدب، كبيره وصغيره، ولم أكن أعترض، ولكن لا يظهر علي الطرب، فأذكر أننا درسنا مقامةً للا أدري من، وانتهت المحاضرة، فسألني الدكتور والطلبة يخرجون: "ما رأيك؟ ألم أثبت لكم أنه ليس عصر انحطاط؟" فقلت له: "بلى، ولكن ليسوا كالحريري والبديع؛ أولئك مصاكّة!" (مصاكّة جمع مصكّ بتخفيف الصاد وتشديد الكاف: كلمة كويتية توصف لأعلى مراتب القوة).

وفي يوم حدث كلام عن الغناء، وأن الجيل الحالي لا يعرف الطرب الأصيل، ثم سأل الدكتور: "هل تعرفون ليلى مراد؟" فلم يُجِبْ أحد، فأخرج هاتفَه وشغّل مقطعًا لها، فكان الصوت مشوشًا حادًّا عتيقًا، فقالت إحدى الطالبات -وسأنقل ما قالت باللهجة على توجيه الجاحظ-: "وَعَلَيَّهْ شْفيها تَبْچي!؟" أي: وا شفقتي عليها، ما بالها تبكي؟. فأغلق الدكتور هاتفَه، وغسل يدَه من هذا الجيل.

وفي مرةٍ تكلّم عن تحقيق المخطوطات، وقد حقق الدكتور كتاب (الطراز المنقوش) وكتاب (الرياض المزهرة) ولكنّ الطلاب لم يفهموا ما المخطوطات، فجاء من قابل بصورة مخطوط من العهد العثماني، وأراهم إياه ثم قال: خالد تعال بجانبي. فجلست، وأعطاني الصورة وقال: هيا اقرأ. نظرتُ إلى المخطوط فإذا هو من أسوأ المخطوطات ترتيبًا وخطًا، فقرأت ما استطعت، وتلعثمت تلعثمًا منكرًا.

ومن الطرائف بعد الاختبار أنه استعرض علينا بعض الملاحظات، فقال: إحدى الطالبات لم تكتب الأبيات في سطر منفصل، تكتب قال الشاعر وجانبه البيت وجانب البيت التحليل! وأخرى عكس ذلك في التنسيق؛ كتبت العناوين بالأحمر، والأبيات بالأخضر، والتفسير بالأزرق! فقالت إحدى الطالبات: أنا صاحبة الحل، أريد أن يكون "كشخة"!

تعليقات

  1. غير معرف24/8/25 9:03 م

    انا محظوظ لأني في نفس الكلية 😄

    هل هناك دكاترة اصحاب علمية قوية في الكلية تنصحنا بأن نستفيد منهم ونسجل عندهم ؟؟؟

    ردحذف
    الردود
    1. جاسم الفهيد، عبد العزيز سفر، حسين بوعباس، زكريا الكندري

      حذف
    2. غير معرف25/8/25 12:19 ص

      ما قصرت 🌹🌹🌹

      حذف
  2. غير معرف24/8/25 9:13 م

    من منَّا لا يُريدُ امتلاكَ حلٍّ "كشخة"؟

    ردحذف
  3. غير معرف25/8/25 12:31 ص

    لديك حس وصفي ماتع، حين أدخل في جو السالفة أجدها قد انقضت سريعا، لا حرمنا الله سردك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...