قصة الشعر (4)
ما زلتُ أكتبُ كل يوم، كل يوم بيتًا أو بيتين، أو قصيدة أو قصيدتين، كنتُ أكتب الشعرَ أكثر مما أقرأ من الدواوين، وهذا أبطأ تطوّري.
وفي المرحلة الثانوية انتشرت أبيات لا معنى لها، تُقال للإبهار، وقد نسيتها الحمد لله، فأردت أن أبهر زملائي أكثر وجعلت أبحث عن قصيدة غريبة، فوقعت اتفاقًا على لامية العرب! وحفظت منها قوله:
ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ .. وأرقطُ زُهلول وعرفاءُ جيألُ
وهذه من أول الشعر الذي عرفته، ثم أخذت شرح المعلقات من مكتبة والدي، بشرح الزوزني، وفتحت من منتصف الكتاب فوقعت عيني على معلقة طرفة بن العبد، وأعجبني جَرْسُها وقافيتها، فكانت أول معلقة عرفتُها، وزادني حبًا لهذه المعلقة أنني فهمت شرح الزوزني لبيت طرفة:
ووجهٍ كأن الشمسَ حلّت رداءَها … عليه نقي اللون لم يتخددِ
فهمتُه ولم أجهد في ذلك، ولذا أقول أن شعر الجاهلية هو أوضح شعر، اعرف معاني الألفاظ فقط، ولن تعاني في معاني الأبيات.
ولا بدّ لي من ذكر مواقع التواصل، بدأ الأمرُ في الفيسبوك في الأعوام ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢ تقريبًا، كل يوم منشورٌ فيه أبيات وليدة اللحظة، أبيات سيئة بطبيعة الحال، ولكن كل يوم! "وإنما السيل اجتماعُ النُقَط" وتعرفت هناك على بعض الشعراء الذين ما زلت على تواصل معهم. ثم انتقلنا إلى تويتر، وكان مليئًا بالشعراء، غير أنهم شعراء شعبيون لا شعراء فصحى، وبشكل أو آخر كتبت أبياتًا عن النجوم لا أذكرها، بلغت شعراء الكويت فضمّوني إليهم، ووصلتُ إلى حسابات شعراء الفصحى حول العالم، واكتشفت أن تويتر ليس حكرًا على الشعراء الشعبيين، وأذكر من الشعراء: مرفأ، ومصطفى الصانع رحمه الله، وزين العابدين صاحب بيت "سيفتح الله بابًا" ونسرين إسماعيل، ومريم جيلان، وحصة القحطاني، وعبد المجيد الفيفي، وعبد الرحمن النجار، وعبد الله الفضلي، وزاهد القرشي، وأحمد مطر الزهراني، ولا شكّ أني نسيت أضعافهم، لأن تلك الحقبة كانت تموجُ موجًا بالشعراء.
وفي يوم من الأيام قلت: سأضع لي اسمًا مستعارًا، وطرحت الفكرة على صديقي عبد الرحمن النجار، فتحمس وأراد أن يفعل المثل، فاخترت: ابنُ خُزَيْم العامري، وهو اختار: الغُرّة، ووضعت صورة الممثل تيم حسن بدور الحاجب المنصور، ووضع هو صورة رمزية لعلامة استفهام، أذكر هذه التفاصيل. وقلبنا بهذين الاسمين المستعارَين تويتر بالشعر والمساجلات الطويلة، ولمع نجم ابن خُزيم العامري، إلى درجة أنه كان يساجل ثلاثة شعراء في وقت واحد، ولا أستطيع ذلك الآن، لأن مولّد الأبيات في ذلك الوقت قبل ثلاث عشرة سنة هو الجهل بالشعر، فأرضى بالركيك والسخيف ما دام تمّ إلى القافية، أما اليوم فيُشيّبني البيت قبل أن أمسحه أو أرتضيه على مضض. وأراني لو أردت الآن أن أتسمى اسمًا مستعارًا فربما: أصْبَح الشاعر. وهو من اسم أحد تبابعة اليمن: ذو أصبح. نسله الأصابحة ومنهم الإمام مالك، ومنهم أخوالي، وأن أبا نواس تسمى باسم أحد التبابعة: ذو نواس. فأقتدي به في التسمية، وأختار ذا أصبح لاتصال نسبي به من جهة أخوالي، ولأنني سأدخل مساجلات سأجلد فيها خصومي، وذو أصبح أول من صنع السِياط، وسميت: السِياط الأصبحية. قال المبرد: ويقال للسّوطِ: الأصبحيّ، يُنسَب إلى ذي أصبح الحِميريّ، وكان أول من اتخذ هذه السياط التي يعاقب بها السلطان. (الكامل ١/٢٥٦) وربما سأختار صورة الممثل غسان مسعود بدَور الصميل بن حاتم.
ومن الطرائف أنني كنت في المدينة، بعد أن نزعت عباءة ابن خزيم، وصادفت الشاعر عبد الله الفضلي في الحرم، فجلسنا نتحادث، فقال لي: هناك شاعر عجيب اسمه ابن خزيم العامري. فضحكت حسبته يمزح، ثم تبينت أنه لا يدري أنه أنا، فلما أخبرته انصدم هو، وجعلنا نضحك كلانا.
وجاءني إشعار بإضافة حساب اسمه: أشعر العرب. فقلت من هذا الذي يزكي نفسه علينا؟ فدخلت متبخترًا وإذا في نبذته التعريفية:
إذا الأعورُ الدجّال أطلعَ قرنَهُ … قرعناهُ حتى يرعوي كلّ كافر
فتضاءلت نفسي حتى صارت كحبة الباقلاء، فأضفته وجعلت أقرأ شعرَه وفي كل بيت أطرب وأبحث عن صاحب البيت لعله نقله، فيظهر أن البيت له، وكان هذا هو الشاعر: سالم التميمي.
وانتقلنا في سنوات ٢٠١٥ وما بعدها إلى برنامج ask وهو برنامج له أشباه كثيرة اليوم، يسألك الناس من غير أن تعرف من السائل، وافترع سالم التميمي سبيلًا جديدة في الشعر، بأنه كان يجيب على كل سؤال بأراجيز وشعر، وحذوتُ حذوه فانتفعت جدًا وتطور شعري، وهناك عرفت أيوب الجهني ومارية الرفاعي.
وأختمُ بذكر قراءاتي لتكون وُصلة الى المقالة القادمة. جنحتُ إلى قراءة كتب النقد، وبدأت بكتاب البديع لابن المعتز، واستفدت منه أن للكلام أشكالًا، وكتاب البديع هو نواة علم البلاغة، وفيه نفع عظيم في معرفة البلاغة من غير تعقيد البدايات، فاستفدت من الكتاب، ثم انتقلت إلى نقد الشعر لقدامة، ثم إلى العمدة لابن رشيق، ثم إلى الصناعتين لأبي هلال، وأكبر ما نفعني الله به: الكامل للمبرد، والبيان والتبين للجاحظ، وأمالي أبي عليّ القالي، قرأتهم في سنة الكورونا وبعدها.
ووجدتُ نفسي أقفز قفزات بقدر قراءتي للشعر، ويجمد مستواي إذا لم أقرأ.
وكان أول ديوان قرأته قبل سنوات ديوان جميل بثينة، ثم ديوان العكوّك، لصغرهما، وحفظتُ قول العكوّك يصف الحرّاقة، وهي سفينة:
عجبتُ لحرّاقةِ ابنِ الحُسَيـ … ـن كيف تعومُ ولا تغرقُ
وبحرانِ من تحتها واحدٌ … ومن فوقها آخرٌ مُطبقُ
وأعجبُ من ذاك عيدانُها .. وقد مسّها كيف لا تورِقُ؟
عجل بالمقالة الخامسة لا عدمناك
ردحذففو الله لو خيرت بين عشرة أرطال من العسل المصفى وبين أن أقرأ لك المقالة الجديدة لاخترت قراءة المقالة الجديدة
الله الله هههههه أما أنا فسأختار العسل 🏃🏻♂️
حذفرائع!
ردحذفأما أنا فأول عهدي بالشعر ولا أظنني أزيد على البيت والأربعة والسبعة هنا وهناك،
ولكن... لا شك أنك سمعت قصيدة مارية الرفاعي الأخيرة
أنا علقت لها بأبيات وأريد رأيك بها هي:
لقد فتنتني في دمشق حمامة
تغنت بمرذول القريض مهدما
كأن لها من لحن داوود نغمة
ترد بها قلب الحليم متيّما
إذا غيّبت في غامض الشعر فكرة
أتتنا بتأويل الغريب ترنُّما
فلو كان هذا الشدو في عهد من مضى
لكان بإجماع الشيوخ محرّما
والسلام
سلمك الله وبارك فيك.. أما قصيدة الشاعرة مارية الرفاعي فهي جيدة مجوّدة:
حذفمنالُك مجدًا أن تكون هُمامَهُ
وحفظُك نَيلًا أن تسوسَ وتُحكما
كذلك يعطي الله للنصر حازمًا
إذا قصّرَ اليأسُ الأمانيَ تمّما
رمى ثابتًا حتى رأى اللهُ صدقَهُ
فأثبت في لوح المحجّةِ ما رمى
يا سلام، ولي رأي في شعر مارية الرفاعي الذي أقرؤه منذ سنوات أن فيه غُموضًا لمن لا يعرف كيف يقرأ تراكيب الجمل في شِعرِها، وقد سُئلتُ مِرارًا عن مواضع من شِعرِها فوجدتُ المستشكلين كلهم استشكلوا الأسلوب الخاص في شعر الشاعرة وتراكيبه، مما لا تأباه اللغة.
وأما انتقاد من انتقد القصيدة، فقد اطلعتُ عليه فوجدتُ أكثره تفيهقًا وجهلًا مركبًا لا قيمة له، كمن يقول أنها صرفت (دمشق) وهي ممنوعة من الصرف، ومن أبجديات الشعر أن الأئمة يُجيزون صرف الممنوع، بل ولا يسمونه ضرورة! ويقولون هو رجوعٌ إلى الأصل فلا يعاب البتة، بعكس منع المصروف. وقد صدقت حين قالت:
أُدعى فأنظُر فيما ذيّلوه لكي
أُصيبَ راسًا ولكن لم أجِد راسا
ونصيحة لكم يا أخي؛ لا تجعل في نفسك من الخُيَلاء ما يُنطقُك بأحكامٍ أنت في غنًى عن مناقشتها، وأما مباشرتك في أبياتك أن تصف امرأةً معينةً بأنها حمامة وغير ذلك فلا يجوز في دين الله.
جزاك الله خيرا... حذفت التعليق
حذفوالصراحة ما كان الا عرض لعضلاتي الصغيرة في الشعر 🤭
يا سلام... أذكر أيام الآسك أيام الطيبين، وجدتك هنالك وكذا مارية... ثم عرفت منك أيوب وسالم لما وجدتك تثني على شعرهم، فكانا كما أخبرت.
ردحذفأذكر لما كتبت عن موقف لقاءك بالكملي في الأسك لما قلت:
ألا لا تغب عنا فأنت كجدولٍ
تنحى عن العطشان والظامئ الصدي
والكملي وعذوبة كلامه من أهم أسباب تعلقي بالشعر -وأحسب أن كثير من الناس مثلي-، دروسه تكر ولا تمل.
وكانت هذه -أي أيام الأسك- فترة بداية عودتي لقراءة الشعر من بعد الثانوية ومحاولات فاشلة في صياغته الحمد لله أنها اختفت بلا إحراج.
سأرجع الآن لقراءة المقالات الثلاثة التي فاتتني إن شاء الله. :)