التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خذوا الدنيا بيُسر

 خذوا الدنيا بيُسر

خُذوا الحياة بيُسر، ومارسوها بالتنازل والنية الصالحة، ما مكوثنا في هذه الحياة إلا سنوات قليلة، ثم نمضي، فلا تعش هذه السنوات بثقل أمراض القلب التي تُثقل الروح، وتُغذّيها الشكوك والحسد والبغض.

أغلب مشاكل الناس التي تُهوَّل تكون بذرتها أمرًا يسيرًا، كان حلّه أقرب من متناوَل اليد، ولكن عَظُمت واستفحلت بما ينفخ الشيطان فيها من العداوة والبغضاء، والتقاتل على الدنيا، والشعور المزيّف بالإهانة.

الحقّ كفلَه الشرع، ولكن إذا بتّ تأخذ كل حقٍّ لك -صَغُر أو كَبُر- بقوّة من كلّ أحد فماذا أبقيت للحِلم والصفاء وبياض الروح وكسب الناس؟

لماذا نطلب الدنيا بفوق طَوْق جهدنا وهي -غير أنها فانية- دُنيا مشى فيها النبي ﷺ حافيًا، وحوصرَ فيها من تستحيي منه الملائكة حتى قُتل، وغُدرَ فيها بريحانة النبي ﷺ وسبطه، أهذه دُنيا يَتمسّك بها مسلم ويَخلد إليها؟ حتى تراه يخسر كلّ شيء في سبيل تحصيلها، وإن هي إلا متاع قليل.

مما أذكره أني سمعت عمّي يتحدث عن رجل مخموم القلب، سمّاه ولا أذكر اسمه، قال: " فلان رجل طيب إذا رأى أحدًا دعا له." ما زالت هذه الكلمة تغرّدُ في أذني وقد مضت عشرون سنة أو تزيد، أرأيتَ رجلًا يدعو لمن يعرف ومن لا يعرف؟ كيف قلبُه؟

وكان ابنُ عونٍ إذا اشتدّ غضبُه على أحد قال له: "بارك الله فيك!"

وكانت له ناقةٌ يحبها، يغزو عليها، ويحج عليها، وكان حليمًا، فخرج في طريق مكة، فانشغل في شيء، وقام غلامه إلى الناقة يجهزها، فضربها بشيء كان معه ففقأ عينها، فقال بعض من حضر: "إن كان سيغضب ابن عون فاليوم!" فلما عاد ورآها ورأى صنيع الغلام، فقال للغلام: "بارك الله فيك." ثم قام إلى الناقة ومسح الدم، وجعل في عينها قطنة. ثم مضت الأيام والغلام في خوف شديد مما فعل، فإذا طلب منه ابن عون شيئًا قام يلبيه بسرعة، فلاحظ ابن عون ذلك فقال للغلام: "يا فلان، ما لي أراك مذ أصبت عين الناقة تخف في خدمتي خفة لم تكن تخفها؟ لعلك تتقيني؟ لا تتقيني بعد اليوم، وأنت حر لوجه الله." فأعتقه.

وفي الحلم قيل: "ليس الحليمُ من إذا ظُلِمَ حلم حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظُلم فحلمَ ثم قدر فعفا." ثم قدر فعفا! ما أجملها من خِصال.

تعليقات

  1. غير معرف3/8/25 12:41 م

    بارك الله فيك

    ردحذف
  2. غير معرف3/8/25 1:32 م

    جعلك الله مباركا أينما كنت

    ردحذف
  3. غير معرف3/8/25 1:47 م

    اللهُمّ بارك، مقالة في وقتها🤍

    ردحذف
  4. غير معرف3/8/25 2:53 م

    مقالاتك ليست خواطر عابرة، بل محطات تأمل…
    تجعلنا نُعيد التفكير، ونُحسن الظن، ونُخفّف من تعلّقنا بما لا يدوم

    مقالاتك لا تُقرأ، بل تُشعر، وتُربّي، وتُصلح.
    دمتَ نقيَّ القلم، نقيَّ القصد. 🌹👏🏻

    ردحذف
  5. غير معرف3/8/25 6:03 م

    جُزيت خيراً، مقالة توقظ القلب وتُحْييّ النفس.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة رواية: أوليفر تويست - تشارلز ديكنز

  أوليفر تويست تشارلز ديكنز الصفحات: 576 التقييم: ★ ★ ★ ★ ✩ أول قراءاتي لتشارلز ديكنز، ولا أدري إن كان سيتجاوز نفسَه في رواية أخرى أم لا، ربما يفعل في ديفيد كوبرفيلد. تبدأ الرواية في ذِكر مولد أوليفر تويست، ثم تجمع الروايةُ قبضها وتلكمه وتلكمه حتى تقول في نفسك: هيه! ما هذا المخلوق المسحوق!

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قصة الشعر (4)

    قصة الشعر (4) ما زلتُ أكتبُ كل يوم، كل يوم بيتًا أو بيتين، أو قصيدة أو قصيدتين، كنتُ أكتب الشعرَ أكثر مما أقرأ من الدواوين، وهذا أبطأ تطوّري. وفي المرحلة الثانوية انتشرت أبيات لا معنى لها، تُقال للإبهار، وقد نسيتها الحمد لله، فأردت أن أبهر زملائي أكثر وجعلت أبحث عن قصيدة غريبة، فوقعت اتفاقًا على لامية العرب! وحفظت منها قوله: ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ .. وأرقطُ زُهلول وعرفاءُ جيألُ وهذه من أول الشعر الذي عرفته، ثم أخذت شرح المعلقات من مكتبة والدي، بشرح الزوزني، وفتحت من منتصف الكتاب فوقعت عيني على معلقة طرفة بن العبد، وأعجبني جَرْسُها وقافيتها، فكانت أول معلقة عرفتُها، وزادني حبًا لهذه المعلقة أنني فهمت شرح الزوزني لبيت طرفة: ووجهٍ كأن الشمسَ حلّت رداءَها … عليه نقي اللون لم يتخددِ فهمتُه ولم أجهد في ذلك، ولذا أقول أن شعر الجاهلية هو أوضح شعر، اعرف معاني الألفاظ فقط، ولن تعاني في معاني الأبيات. ولا بدّ لي من ذكر مواقع التواصل، بدأ الأمرُ في الفيسبوك في الأعوام ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢ تقريبًا، كل يوم منشورٌ فيه أبيات وليدة اللحظة، أبيات سيئة بطبيعة الحال، ولكن كل يوم! "وإنما السيل ...