التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراجعة ديوان جرير

 ديوان جرير بشرح ابن حبيب وروايته

الصفحات: ٨٠٦

التقييم: ★ ★ ★ ★ ★

إشباع النفس بالشعر يكون بجَرد الدواوين جردًا متواصلًا، بها تشحذ فهمك لكلام العرب وشعرهم، ولم تعرف ما الشعر وما اللغة بغير جرد الدواوين.

ودواوين المتقدمين من أهمّ المهمات لمن استنزل الفصاحة من عليائها، وأراد صبًها في وعائه.

حسنًا.. جرير بن عطية بن الخطفى، شاعر معروف، يعرفه الكبار والصغار، والنساء والرجال، وطلبة العلم وغيرهم، حتى سُميت مكتبة من أشهر المكاتب باسمه، وإن كانت كما قال سالم التميمي:

وقد سُميت زورًا جريرًا وما أرى

بها لجريرٍ من كتاب مُجلّدِ

كان الخطفى بن بدر جد جرير شاعرًا، ولم يكن في كليب بن يربوع غيره، فلما كبر؛ نبغ في بين سليط بن يربوع شاعر اسمه غسان، ولعل غسانًا طغى قليلًا وهجا بني كليب، فلم يستطع أحد دفعه، وجرير صغير السن يُمنع من الدخول في هجاء مع أحد، فلما سمحوا له بمهاجاة غسان، حصّه جناحيه، وحطم عظامه، وكسر أضلاعه، وأهان غسانًا وأم غسان وسليط وأحرقهم وسقط غسان السليطي فما عاد يُذكر!

صم هاجى البعيث، واسمه خداش بن بشر المجاشعي، وذلك أن البعيث أخذت يربوع إبله، فاستردها منهم، وصالحوه، وعاش بينهم برهةً، ثم عاد إلى قومه، فاستفزه قومه، فهجا بني يربوع، فدفع جرير عن قومه، واشتعل الهجاء بين جرير والبعيث، غير أن جريرًا كان يخنق البعيث، ويهجوه بأمه الأصفهانية واسمه مَردة.

فذهب نساء مجاشع إلى الفرزدق يستفزعنه على جرير لأن البعيث ضعيف، فهاج الهجاء بين جرير والفرزدق حياتَهما، حتى مات الفرزدق ولحقه جرير بعد شهر عام ١١٥ هـ

قراءتي للديوان بصرتني بشعر جرير، وشخصيته، ومواطن القوة عنده، وهو برواية ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير.

جرير هجا كل أحد، لم يكن يحتمل إلماحةً تُسيء إليه، حتى يهجو الشاعر وقبيلته، أو يهددهم إذا لم يشأ أن يهجوهم، ويُفحش جدًا في الشتم، لا يرعى حرمة من أراد هجاءه.

ومن الأخبار التي بينت لي اندفاع جرير في هجاء من يتعدى حدوده قيد أنمله، أن العجاج هاصم امرأته إلى المُهاجر والي اليمامة، وجرير حاضر فأنشد أرجوزةً فلما وصل إلى قوله:

ولو رأتني الشعراء ذيّخوا

أي ذلوا، فابتدر جرير وقال على البديهة:

يا ابن كُسيب! ما علينا مبذَخُ

قد غلبتك فيلقٌ تضمّخُ

لما أتت باب الأمير تصرُخُ

يا استَ حُبارى طار عنها الأفرخُ

فاستعاذ العجاج بالمهاجر فكفّه عنه!

شرح ابن حبيب قديم، فلذلك قد لا يستفيد منه المبتدئ الذي يريد تفسير كل لفظة، ولكنه نافع جدًا وفيه نوادر.

وتحقيق نعمان محمد أمين طه تحقيق بارع جدًا نفعني.

تعليقات

  1. غير معرف13/6/26 4:29 م

    جرير مدرسة في قرض الشعر ونسجه له أتباع وأثر في من بعده، والناس لا يعرفون عنه إلا أنه يهاجي وأن له نقائض

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

مراجعة رواية: أوليفر تويست - تشارلز ديكنز

  أوليفر تويست تشارلز ديكنز الصفحات: 576 التقييم: ★ ★ ★ ★ ✩ أول قراءاتي لتشارلز ديكنز، ولا أدري إن كان سيتجاوز نفسَه في رواية أخرى أم لا، ربما يفعل في ديفيد كوبرفيلد. تبدأ الرواية في ذِكر مولد أوليفر تويست، ثم تجمع الروايةُ قبضها وتلكمه وتلكمه حتى تقول في نفسك: هيه! ما هذا المخلوق المسحوق!

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...