الثالثة والثلاثون
لا أستكينُ لأشياء الماضي، كذبتُ نفسي طوال حياتي بهذه الدَعوى، إنني أقيّدُ نفسي بما اتصلَ زمنُهُ بزَمني ولو فرّقنا المكان، ولا أتجاوز إلا ما قُصرتُ على مفارقته، ثم أتعزز بالعزة الواهية وأخرق الصور، وأمحو الذكريات، وأعلنُها: أنا لا أستكينُ لأشياء الماضي.
كل شيء أدورُ فيه دَوَرانَ الخُذروف، وأستنبطُ غيرَه وأدور فيه، حتى يغدو زماني دوامات لا تنتهي من الأمور التي لم أتجاوزها، لستُ ممن يرى الرسومَ رسومًا، بل أرى جِدّة في قلبي لكلّ ما أحبه، وإن مللتُ من موقف فسرعان ما أشتاقه:
مللي كاذبٌ وشوقي صَدوقٌ
فاتقِ الله في المَلولِ المَشوقِ
أمشي أجرّ خيوطًا متصلة لا تصير ذِكرى إلا أن تنقطع، وهي لا تنقطع فتصيرُ ذِكرى، فكأنّ حياتي حاضرٌ ممتدّ لا ماضي له.
وقعت في يدي صورة لي وأنا صغير، وجعلت أتأملُ هذا الصبي، ما الذي غيّر قلبَه؟ ما الذي سلبَه الابتسامة الصادقة؟ ما الذي لطمَ وجهه بهذه الظِلال الكئيبة؟
عجيب أمر الثلاثين، لم أكن أحسبه عمرًا مُرعبًا إلى هذه الدرجة، كنت أرى أهله رجالًا أشدّاء، فلما بلغتُه وجدتُهُ عنق الزجاجة الذي تتحسر فيه على مُتّسعٍ فاتك مما لن تستطيع تداركه، وتتخوف فيه من مُتّسَع قابِلٍ مجهول لم تبنِه كما يجب، يهوّن ذلك أنك تبدو من الخارج من الرجال الأشدّاء!
ماذا قرأتُ؟ وماذا فهمت؟ قرأتُ كثيرًا وفهمتُ كثيرًا، غير أني حين أُطلّ من نافذة غرفتي، أرى ما فهمتُه شُوهةً تُخبرني أنني تائهٌ عاجز، وأتذكرُ إبراهيم المازني حين اكتفى بمكتبته العامرة، وأغلق على نفسه بابها، وظن أن تَطويفَه في الكتب، كتطويفه في البلدان، وارتأى هذا الرأي الصامَّ أذنَه عن غيره، فلما خرج إلى الأرض الفضاء؛ وجدَ العالم غير ما تصوره، وأن الكتب لم تُغادر به غرفتَه! فانقلب رأيه في الكتب، وأغلق باب مكتبه من الخارج هذه المرة.
الثالثة والثلاثون، لا أدري كيف هي، كنت أتخيلُ من يبلغها رجلًا كبيرًا، قائدًا عسكريًا، مديرًا لسبع شركات، له خمسة أبناء، وتُعرف كنيته ولا يُعرف اسمه، غير أني ليس عندي شيء من ذلك، فهل بلغت الثالثةَ والثلاثين في خميسِ الرابع والعشرين من أيلول حقًا؟ ولم لا أشعرُ أنني في هذا الصعيد، حيث لا يرثي المرء شبابًا مُدبرًا، ولا يستشرف مستقبلًا مقبلًا، لماذا أشعر أنني في مقتبل حياتي وأنا ما زلت أراني سأطل من فوّهة بركان، وأشارك في معرض خط، وأزور قلعة ناغويا، لماذا أشعر أنني سأفعل ذلك يومًا ما وأن في العمر بقية للبدء؟ أهذه الثلاثون؟ فلم نفسي تقرؤها عشرين؟ عجيب..
إذا أحياني الله في عافية إلى عام 2064 سيكون عمري سبعين عامًا، كيف سأقرأ هذه المقالة؟ هل سأبكي شبابي الضائع؟ أم سأضحك من خوفي من هذه الدنيا؟ أظنها الأخيرة، فإن امرءًا زهد في الدنيا وهو ابن ثلاثين فإنه أزهدُ فيها وهو في السبعين.
قلت يوم كنت في الـ ٢٥:
إذا نظرتُ إلى المرآةِ أفزعني
مَغارُ شيبٍ بدا في ليليَ الحَسَنِ
حتى شككتُ بعُمْري حين أحسبه
خمسًا وعشرين والمرآةُ تُكذِبُني!
وقلت في الـ ٢٦:
مضتْ حججٌ ستٌّ وعِشرونَ أورثتْ
سُلامايَ عَضّ النادمِ المتحسِّرِ
وقلت حين أتممت الثلاثين:
هذي ثلاثون عامًا مرّ أحسنُها
فما الذي بعدها يُدني من الأملِ
هذي ثلاثون عامًا لستَ تحسبُها
إلا على سَقَطاتٍ في يدِ الفَشَلِ
أنا وإياك مولودن في نفس اليوم !
ردحذفغير أني اليوم بلغت الثامنة عشر
لكن مشاعر الأسى هي نفسها!
مقالٌ شَجِنٌ أنيق... حبَّر حرفكَ لكَ فيه بوارق الأمل في ليل العمر، فأدلِج كيما تحمد السرى حين تُصبح.
ردحذففكرة العودة إلى ما كتبت وأفضيت من مشاعرك بعد دهر طويل فكرة مخيفة، أود لو أعلق بأكثر من هذا ولكن هذا ما استولى على نفسي
ردحذف