التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة من الإمبراطور وحكاية قصيرة - كافكا (ترجمتان)

رسالة من الإمبراطور وحكاية قصيرة - كافكا (ترجمتان)


أهلًا، هذه ترجمة لقصتين قصيرتين لكافكا، وقد ترجمتها عن الترجمة الإنجليزية لألكسندر ستاريت، المجموعة القصصية The unhappiness of being a singe man طبعة دار بوشكين بريس.


رسالة من الإمبراطور

قيلَ إنّ الإمبراطور أرسلَ إليك رسالة، أنت الوحيد، أنت الشيءُ الصغير، الظلّ الضئيلُ المُلقى في أبعد زاوية عن شمس الإمبراطورية. أرسلَ وهو على فراش موته إليك أنتَ دونَ كلّ الناس.

جثا رسولَه بجانبه، وهمس بالرسالة في أذنه، كانت الرسالة هامّة إلى درجة أنه استعادَها من الرسول، فأعادها عليه، فهزّ رأسَه مومئًا إليه بصحّة الرسالة. 

وأمام الجمهور الذي يشهد الموت تهاوت الجدرانُ التي تعيقه عن أداء الرسالة، وكذلك عظماء الإمبراطورية وصفوتُها جميعًا، ومن تجمهر على السلالم الواسعة التي كانت تؤدي إليه، أمامهم جميعُهم أرسل الرسول. وكان الرسولُ شديدًا جَلْدًا، لا يعرف الكلل ولا الملل، فانطلق من فورِه، يدفع هذا ويُزيحُ ذاك، ويشقّ طريقًا خلال الحشد، إذا اعتُرض طريقُه أشار إلى رمز الشمس المنقوش على صدرِه، فيُفسَح له بأسرع مما يُفسَحُ لأي أحد آخر.

ولكنّ الحشدَ كان كبيرًا جدًا، لا نهايةَ لهم، ولا نهاية لمدينتهم، لو خرج فقط إلى الطريق المفتوحة لكان جريُه طيرانًا، ولسمعت عن قريب صوت كفّه تقرع بابَك.

ولكنّ محاولاته كانت عبثًا، فلم يزل يحاول العبور من غُرَفِ القصر التي لن يجتازها منها أبدًا،  ولو فعل؛ لن يتغير شيء، فما زال أمامَه أن يجاهد النزولَ من السلالم، ولو فعل؛ لن يتغيّر شيء، فما زال أمامه أن يعبر أفنية القصر، وبعد أن يعبر الأفنية فعليه أن يعبر القصر الثاني الخارجي، ومرة أخرى السلالم الواسعة والأفنية، ولو بلغ بعد آلاف السنين البوابة الخارجية القاصية -والذي لا يمكن أن يحدث- فما زال أمامه المدينة، بمبانيها المكدّسة، وشوارعها المكتظة.

لا أحد يتسطيع أن يمرّ عبر ذلك كله، وبالأخص من يحمل رسالةً من رجل ميّت.

وأنت تجلس مساءً على النافذة، وتحلمُ بما قالَه.


حكاية قصيرة

"أوّه" يقوله الفأر "العالم لا ينفكّ يتضايَقُ كلّ يوم. كانَ مخيفًا يومَ كان واسعًا، غيرَ أني لم أفتأْ أجري، وسَعِدتُ حينَ رأيتُ جدرانًا عن شمالي ويميني، ولكنّ هذه الجدران ما زالت تتقارَبُ منطبقةً على بعضِها بعضًا بسرعة، حتّى بلغتُ نهاية الغرفة، منطلقًا نحو الفخّ في الزاوية." – "كلّ ما في وُسعِك هو أن تجري مرة أخرى في الطريق المعاكس،" قال ذلك القطُّ ثم التهمَه.

تعليقات

  1. غير معرف1/6/25 10:31 م

    🤍🤍

    ردحذف
  2. غير معرف5/6/25 12:18 ص

    حيّاك الله أستاذ خالد.
    سؤال خارج الموضوع إن سمحتَ.
    أتأذنُ لي بنشر هذين البيتين:
    "أحييك بالحُسنىٰ: السلام عليكمُ
    وقلبُك مسرورٌ وثغرُك ضاحِكُ
    سماؤك سحّاءُ السعادةِ والهَنا
    وعيدُك يومَ الفطر عيدٌ مُبارَكُ"
    على أن أجعل (النّحر) مكان (الفطر) وأشير إلى ذلك.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة رواية: أوليفر تويست - تشارلز ديكنز

  أوليفر تويست تشارلز ديكنز الصفحات: 576 التقييم: ★ ★ ★ ★ ✩ أول قراءاتي لتشارلز ديكنز، ولا أدري إن كان سيتجاوز نفسَه في رواية أخرى أم لا، ربما يفعل في ديفيد كوبرفيلد. تبدأ الرواية في ذِكر مولد أوليفر تويست، ثم تجمع الروايةُ قبضها وتلكمه وتلكمه حتى تقول في نفسك: هيه! ما هذا المخلوق المسحوق!

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قصة الشعر (4)

    قصة الشعر (4) ما زلتُ أكتبُ كل يوم، كل يوم بيتًا أو بيتين، أو قصيدة أو قصيدتين، كنتُ أكتب الشعرَ أكثر مما أقرأ من الدواوين، وهذا أبطأ تطوّري. وفي المرحلة الثانوية انتشرت أبيات لا معنى لها، تُقال للإبهار، وقد نسيتها الحمد لله، فأردت أن أبهر زملائي أكثر وجعلت أبحث عن قصيدة غريبة، فوقعت اتفاقًا على لامية العرب! وحفظت منها قوله: ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ .. وأرقطُ زُهلول وعرفاءُ جيألُ وهذه من أول الشعر الذي عرفته، ثم أخذت شرح المعلقات من مكتبة والدي، بشرح الزوزني، وفتحت من منتصف الكتاب فوقعت عيني على معلقة طرفة بن العبد، وأعجبني جَرْسُها وقافيتها، فكانت أول معلقة عرفتُها، وزادني حبًا لهذه المعلقة أنني فهمت شرح الزوزني لبيت طرفة: ووجهٍ كأن الشمسَ حلّت رداءَها … عليه نقي اللون لم يتخددِ فهمتُه ولم أجهد في ذلك، ولذا أقول أن شعر الجاهلية هو أوضح شعر، اعرف معاني الألفاظ فقط، ولن تعاني في معاني الأبيات. ولا بدّ لي من ذكر مواقع التواصل، بدأ الأمرُ في الفيسبوك في الأعوام ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢ تقريبًا، كل يوم منشورٌ فيه أبيات وليدة اللحظة، أبيات سيئة بطبيعة الحال، ولكن كل يوم! "وإنما السيل ...