التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراجعة: ديوان حاتم الطائي وأخباره

ديوان شعر حاتم الطائي وأخباره

صنعة يحيى بن مدرك الطائي برواية هشام بن محمد الكلبي

تحقيق عادل سليمان جمال

الصفحات: 279

التقييم: ★ ★ ★ ✩ ✩

لم أكن أعلم أن لحاتم الطائي ديوان شعر مرويّ، وكنت أظن شعره قليلًا مفرقًا في كتب الأدب لا تُعلم صحته، غير أني كنت مخطئًا.

في الديوان قطعة صالحة من شعر الرجُل، الرجل؟ بل أكرم عرب الجاهلية؛ حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي..

شعره ينبُتُ في مكارم الأخلاق، وقُطب رحاه الكرم والجود والبذل والسخاء والنجدة، وحقيقةً؛ وجدت في معاني الكرم عنده ما لم أجده عند غيره من شعراء الجاهلية، مما هو آية أن صدق الشاعر فيما يُعامله تظهر جلية في دقائق شعره لا عامة معانيه. ولو عمدنا إلى استخراج فلسفةٍ في الكرم من ديوان حاتم الطائي لخرجنا بفلسفة خاصة به ليست كفلسفة عامة عرب الجاهلية، من ذلك:

  • حُسن الأحدوثة بعد الموت غاية الغايات.
  • لا كرامة لبخيل.
  • تمني الشرّ للبخلاء، ودفعهم دفعًا عن كل خير.
  • الكرم يكون بالمسارعة والمضاعفة.
  • مقاسمة الخير مع الغير.
  • تقديم المحتاج على النفس.
  • تعظيم حق الجارة.
  • تقديم إكرام الضيف على حياة النفس.
  • الترفع عن قول الحاسد.
  • احترام أبناء العمومة.
  • التنازل عن قيادة الجماعة إذا وُجد لذلك سبيلٌ.
  • لا معنى لإمساك المال لأنك لا تستفيد البتة من مالٍ لا تُنفقه، فهو سيذهب للوارث، وأمر وراثة ماله من أصلب حجج حاتم الطائي التي تعضد كرمه وتهدم أي معنى للإمساك. يذكر ذلك كثيرًا.
  • المال وسيلة إلى ثلاثة أمور: عامة العطاء، وفكّ العاني، وأكلُه. (البخيل يرى المال غاية)
  • الرزق لا يحصل بالتقتير، بل بالإنفاق، لأن الله ﷻ تكفل برزقك كل يوم.
  • اليأس من كل أمور الدنيا.
  • السماح بجميع المال ليس تبذيرًا، لأن به يُدرك حسن الأحدوثة عنه.
  • رؤية كل أبناء العمومة فوقه، أو مساوين له.
  • عندما تعطي أعطِ كل ما لديك لا بعضه.


ففلسفته تقوم على ثلاثة أركان:

المال وسيلة، والذكر الحسن غاية، والإمساك لا معنى له، إلا حفظ المال للوارث بعدك.

وقد قال بيتًا كأنه استسلم أنه سيموت يومًا وسيبقى مال سيرثه وارثه ولا بد، غير أنه اتخذ تدبيرًا لذلك، وقطع الطريق على وارثه؛ فقال:

متى يأت يومًا وارثي يبتغي الغِنى

يجد جُمعَ كفٍّ غيرَ ملأى ولا صِفْرِ

ماذا يجد؟ ما الذي يقنيه حاتم ويورّثه لمن بعدَه؟ كم ناقة؟ وكم دينار ذهب؟ يقول:

يجِد فَرَسًا مثل القناةِ، وصارمًا

حُسامًا إذا ما هُزّ لم يرضَ بالهَبْرِ

وأسمرَ خطيًا كأنّ كُعوبَهُ

نوى القَسْبِ قد أرمى ذِراعًا على العَشْرِ

يورّثُ ولدَه فرسًا وسيفًا ورُمحًا، لا يستفيدُ منها إلا الفارس الكريم ذا المروءة الذي يحبه حاتم الطائي، لا النوعُ الذي يبغضُه من البخلاء والبلداء.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرير خَنّاق الرجال

جرير خَنّاق الرجال كانت امرأةٌ من بني يربوع حاملًا، فرأت في منامِها أن حبلًا خرجَ منها، وانطلق إلى أعناق الرجال يخنقهم، فلمّا وضعته سمته جريرًا (الجرير هو الحبل). عاشَ جرير حياتَه كما يعيشُها أي أعرابيّ، بين مجالس الحكمة والشعر، ورعي الغنم والإبل. وفي ساعة من نهار كان جرير الغلام يرعى إبل أهله، فحلبَ لهم إعجالةً، وأقبل بها على قومه، فرأى الناس مجتمعين، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا غسّان بن ذهيل يُنشد بنا! أي يهجوهم، وغسان كان شاعرَ بني يربوع، غير أنه من فرع آخر ليس من كليب بن يربوع رهط جرير، وقد هجاهم لأن بني كليب أوسعوا بني جحيش هجاءً، ولم يكن في جحيش شاعر، فاستعانوا بغسان السليطي. ولم يزل غسّان يهجوهم، وجرير يتفلّت إليه ليهاجيه فيقولون له: ما لك ولذلك إنما أنت غلام. حتى كان هذا اليوم، فحين جاءهم حَمِيَ، وقال: احملوني على بعير. فأتوه بقَعود، فأشرف على غسّان ومن معه، وقال -وهو إذ ذاك غلام لم يقل شعرًا من قبل-: لا تحسبَنّي عن سليطٍ غافلا إلى آخر الأبيات. وما زالا يتهاجيان، يقول غسان خمسة أبيات فيرميه جرير بثلاثين، ويعود غسان بسبعة، فينقضها جرير بمثلها ويزيدها عشرين، يقول غسان: لعمري لئن كان...

قاعدة في فهم الشعر

  قاعدة في فهم الشعر في الشعر لا تعارض العلماء القدماء، ولكن ادرس كلامهم وتفهّمه. لأنك إذا عارضتهم فليس في علم الشعر وحيٌ تعود إليه، بل آراء، فإذا رددت كلامهم أصبحت ولا آلة عندك في فهمه. وأعني بالقدماء أبا عمرو والأصمعي والكسائي وسيبويه والمبرد وثعلب وطبقتهم. وقد نفعتني هذه القاعدة في فهم كثير من الشعر، ولو كنت أردّ كل كلمة لم أفهمها، لفاتني كثير من العلم. فمن ذلك قولهم إن أهجى بيت هو قول جرير: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا فعشت زمنًا أبحث عن إجابة لعلة تقديمه، وسألت فلم أجد شيئًا، فممن سألت من قال: وضعَهم لأنه قال لم تبلغوا كعبًا ولا كلابًا واسما القبيلتين فيه مهانة. ولم أقتنع بهذه الإجابة، حتى علمني ربي أنه هجاهم هجاءً مُقذِعًا، قال عمر رضي الله عنه للحطيئة: اجتنب المقذع من الهجاء. فقال: وما المقذع؟ قال: تفضيل قوم على قوم. فهذا أول خيط الفهم أنه هجا بني نمير بن عامر بأشدّ أنواع الهجاء. ثم نظرت فوجدت الراعي قادرًا على ردّ هذا البيت، بالغض من أبناء عمومتهم بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني كلاب بن ربيعة بن عامر، ولكنّه بذلك سيُشعل فتنة بينهم، فآثر الانهزام والسكوت عن...

خير الحديث ما كان لحنا

خير الحديث ما كان لحنا سآخذ بيدك عزيزي القارئ إلى أرض مختلفة، يجلس فيها أهل اللغة يتحدثون عن لفظة واحدة، لفظة قالها شاعرٌ فصيح، اسمه مالك بن أسماء بن خارجة، واسم «أسماء» كانت العرب تُسميه للأنثى والذكر، ثم جُعل بعد ذلك للإناث فقط. نجد أولًا مالكًا ينطقُ بهذين البيتين الرقيقَين: وحديثٍ ألذُّهُ .. هو مما ينعتُ الناعتون يوزَنُ وَزْنا منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنا قال البيتين، وتبسّم، ثم ذهب. بعد سنوات في مجلس يجمع زوجَين ليسا كطيور على غصن، ولا كوردتين في بستان، بل زوجين يبغضان بعضهما أيّما بغض، لا يطيق أحدهما الآخر، الكره يملأ البيت، الزوجة العزيزة هند بنت أسماء أخت مالك، وزوجها العزيز الحجاج بن يوسف، مجلس بين زوجَين يتحدثان ويتصيّدان على بعضها بعضًا. تكلمت هند فلحنت في الكلام، أي أخطأت في الإعراب، فاقتنص ذلك الحجاج وعاب عليها وشنّع، كيف امرأة عربية من فزارة تلحن في الإعراب، يا للهول! سقطت السماء علينا ولا بد! فقالت هند: هذا مَليح في النساء، أما سمعتَ قولَ أخي؟ "وتلحنُ أحيانًا وخيرُ الحديث ما كان لحْنا". فقال الحجاج وكان يعرف أخاها جيدًا، بل ولاه أمورً...